العباداتُ في مجموعِها، وعلى اختلافِ أنواعِها وأشكالِها
تهدفُ إلى تطهيرِ القلبِ من أمراضِه،
وتحليتِه بالكمالاتِ التي أرسلها اللهُ له كي يسموَ إلى خالقِه،
ويسعدَ بقُرْبِه، وينعمَ بجنّتِه.
القلبُ له في جسمِ الإنسانِ المكانُ الأولُ،
وعليه في جميعِ الأمورِ المعولُ،
ولا عجبَ فهو القائدُ، والجوارحُ جنودٌ له وخدمٌ،
وهو الآمرُ الناهي، والأعضاءُ أتباعٌ له وحشمٌ،
وحسبُك فيه قولُ الله تبارك وتعالى:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] .
والقلبُ حقيقةُ الإنسانِ، ومِن عجيبِ أمرِ اللهِ تعالى فيه
أنه جَعَلَ ببقاء قلبِ الجسدِ وصحتِه وانتظامِ عمله حياةَ الجسدِ ونشاطَه،
وجعلَ بطهارةِ قلبِ النفسِ وسلامته حياةَ الروحِ وازدهارَها.
والقلبُ هو الجانبُ المدرِكُ من الإنسانِ،
وهو المخاطَبُ، والمُطالَب، والمعاتَبُ،
وهو محلُّ العلمِ، والتقوى، والإخلاصِ،
والذكرى، والحبِّ والبغضِ، والوساوسِ، والخطراتِ،
وهو موضعُ الإيمانِ، والكفرِ، والإنابةِ،
والإصرارِ، والطمأنينةِ، والاضطرابِ.
والقلبُ هو العالِمُ باللهِ، والمتقرِّبُ إلى اللهِ،
وهو المقبولُ عندَ اللهِ، إذا سَلِمَ مِن غيرِ اللهِ،
وهو المحجوبُ عن اللهِ، إذا انشغل بما سوى اللهِ،
وهو الذي يسعدُ بالقربِ مِنَ اللهِ، ويشقى بالبُعدِ عنه،
والقلبُ هو منظرُ الربِّ، ولا يفلحُ الإنسانُ، ولا يطيبُ إلا إذا زكّاه،
ويخيبُ، ويشقَى إذا دنَّسه، ودسَّاهُ.
اتّحدَ شكلُ القلبِ، واختلفت معانِيه،
فقلبٌ كالجوهرةِ، صفَا لونُه، وراق ماؤُه،
وقلبٌ كالصخرِ قويٌّ متينٌ، ينفعُ، ولا يلمعُ،
وقلبٌ هواءٌ، خفَّ وزنُه، وحال لونُه،
إنّ قلبَ الجسدِ من أعجبِ ما خَلَقَ اللهُ،
إنه مِضَخَّةٌ مزدوجةٌ تضخُّ الدمَ الذي يحملُ الغذاءَ والوقودَ
إلى كلِّ خليةٍ، ونسيجٍ، وعضوٍ، وجهازٍ
عن طريقِ شبكةٍ من الأوعيةِ يزيدُ طولُها على مئةٍ وخمسينَ كيلومتراً.
إنه يعملُ منذ الشهرِ الثاني من حياةِ الجنينِ، وحتى يأتيَ الوقتُ
فإنه لا يغفلُ، ولا ينسى، ولا يسهو، ولا يقعدُ، ولا يكبُو،
ولا يملُّ، ولا يشكُو، بل يعملُ دونَ راحةٍ، ،
الإنسانُ بجبروتِه يؤذيه، وبنارِ الحقدِ يكوِيه، وبالأحزانِ يبلِيه،
وهو أساسُ حياةِ الإنسانِ، عليه يعتمدُ في كلِّ أعمالِه وأحوالِه،
ومنه تنبعُ كلُّ قُواهُ، وحركاتُه..
وهو آلةٌ خارقةٌ! لا يعرفُ التعبُ إليها سبيلاً،
تزدادُ قدرتٌها أضعافاً كثيرةً، لتواجِهَ الجهدَ الطارئَ،
إنها عضلةٌ من أعقدِ العضلاتِ، بناءً، وعملاً، وأداءً،
وهي مِن أَمْتنِها، وأقواها، تنقبضُ، وتنبسطُ ثمانينَ مرةً في الدقيقةِ،
ويصلُ النبضُ في الجهدِ الطارئ إلى مئةٍ وثمانينَ،
ويضخُّ القلبُ ثمانيةَ آلافِ لترٍ في اليومِ الواحدِ،
أي ما يعادلُ ثمانيةَ أمتارٍ مكعبةٍ من الدمِ،
ويضخُّ القلبُ من الدمِ في طولِ عُمُرِ الإنسانِ
ما يكفي لملءِ مستودعٍ بحجمِ إحدى ناطحاتِ السحابِ في العالَمِ.
وينفردُ القلبُ في استقلالِه عن الجهازِ العصبيِّ،
فتأتمِرُ ضرباتُه، وتنتظمُ بإشارةٍ كهربائيةٍ من مركزِ توليدٍ ذاتيٍّ،
هي أساسُ تخطيطِه، وتتغذَّى عضلةُ القلبِ بطريقةٍ فريدةٍ!!
ومِن أعجبِ ما فيه دسّاماتُه المحكمةُ التي تسمحُ للدمِ بالمرورِ باتجاهٍ واحدٍ،
وهو مبدأٌ ثابتٌ بالمضخّاتِ.
إنّ القلبَ إذَا سَكَنَ في قَفَصِهِ، واستراحَ من غُصَصِهِ خَلَّفَ وراءَه جثةً هامدةً،
كأنها أعجازُ نخلةٍ خاويةٍ، لم ترَ لها مِن حياةٍ باقيةٍ،
ولقد حدَّثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصادِقُ المصدوقُ عن القلبِ
بقوله الموجزِ:
"أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ،
وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ".
ورَحِمَ اللهُ أحمد شوقي إذْ يقولُ:
دَقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لَهُ ... إنّ الحياةَ دقائقُ وثَوانِ
فارفع لنفسِكَ قبل موتكَ ذِكْرَها ... فالذكرُ للإنسان عمرٌ ثانٍ
إذن يستفاد من ذلك أيها الأحبة
1- المؤمن يسعى إلى طهارة قلبه من جميع الأدواء
فالحسد والبغض والأنانية والرياء لا يكون له مكان فى قلب المؤمن
2-إذا صلح القلب صلحت جميع الأعضاء
فهو المحرك الأساسي نحو طاعة الله تعالى
3- القلب هو محل نظر الله تعالى فالمؤمن يسعى إلى تزيينه
أرئيتم لو أن ضيفا نزل بك كيف تستقبله وتجهز له المكان الائق به
لاسيما وإن كان ذو مكانة عاليك لديك ولله تعالى المثل الأعلى
4-أنواع القلوب هناك قلوب كالجوهرة وقلوب كالصخر وقلوب كالهواء
كما أن هناك قلب المؤمن وقلب الكافر وقلب المنافق عفانا الله تعالى
5- القلب جعل الله تعالى له نظاما معقدا ولا نملك إلا أن نسبح الله تعالى
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
وهذا وللحديث بقية... ونسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا.
والحمدلله رب العالمين
كتبه هشام حيدرة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق