الأحد، 11 سبتمبر 2022

لمسات بيانية من سورة يونس - 2 -

 

 لمسات بيانية من سورة يونس - 2 -
  

 

آية (38):

* ما الفرق بين (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) البقرة) و (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس؟

د.حسام النعيمى:

التحدي كان بأكثر من صورة، كان هناك تحدي في مكة وتحدي في المدينة. السور المكية جميعاً جاءت من غير (من) (34) الطور، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) يونس ، (13) هود ، (88) الإسراء هذه السور المكية بعضها قال بحديث، آية من مثله لذلك نقول ما ورد في كتاب الله عز وجل هو ليس نقلاً حرفياً للكلام وإنما هم قالوا كلاماً والقرآن الكريم يأتي به مصوغاً بما يناسب أعلى درجات الفصاحة والبلاغة. ، حتى عندما يقول (وقالوا كذا) فهذا ليس قولهم حرفياً لأن هذا كلام الله تعالى وذلك كلامهم ولما يكون الكلام لغير العرب كلاماً قديماً هو ليس ترجمة حرفية كما قلنا وإنما هو حكاية حالهم بأسلوب القرآن الكريم. فإذن كان أحياناً يطالبهم بحديث، أحياناً بقرآن مثله، أحياناً عشر سور، أحياناً سورة مثل الكوثر أو الإخلاص، هذا كان في مكة. سورة واحدة فكان يقول (مثله), في المدينة (في سورة البقرة) المكان الوحيد الذي قال (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (23). هنا القرآن إنتشر وأسلوبه صار معروفاً، الآن يقول لهم (بسورة من مثله) لو قال : بسورة مثله كما قال سابقاً يعني سورة مثل سور القرآن الكريم. (من) هذه للتبعيض، هو هل له مثل حتى يطالَبون ببعض مماثله؟ هو لم يقل : فاتوا بمثله وإنما ببعض ما يماثله ولا يوجد ما يماثله فما معناه؟ هذا معناه زيادة التوكيد. لما تأتي (مثل) ويأتي عليها حرف في شيء ليس له مثل معنى ذلك توكيد كما قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) الشورى) الكاف للتشبيه، ومثل للتشبيه معناه أنه لو تخيلتم لو أن تصوّركم أنجدكم بأن تتخيلوا مثالاً لهذا القرآن فحاولوا أن تأتوا بمثل ذلك المثال ، بجزء من ذلك المثال الذي تخيلتموه فهذا أبعد في التيئيس من قوله (مثله) مباشرة.

بسورة مثله أي بسورة مماثلة، (من مثله) يعني  بسورة من بعض ما تتخيلونه مماثلاً. هذا إمعان في التحدي وأبعد لأنه صار القرآن منتشراً. فلو تخيلت أيها السامع شيئاً يماثل القرآن وهذا غير ممكن لأنه سبق وقال تعالى (لا يأتون بمثله) فإتوا ليس بمثله بمثل هذا الذي تخيلتم وإنما بجزء من مما تتخيلونه مماثلاً له فكان أبعد من التحدي لأن هذه الآية نزلت في المدينة بعد أن كان القرآن قد إنتشر وعمّت الرسالة. كما قال الله عز وجل (ليس كمثله شيء) يعني لو أن عقلك تخيّل مثالاً فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لو تخيّلت مثالاً يعني إبعاد للصورة.

د.فاضل السامرائى:

تحدّى الله تعالى الكفار والمشركين بالقرآن في أكثر من موضع فقال تعالى في سورة البقرة (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)) وقال في سورة يونس (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)).

*أولاً ينبغي أن نلحظ الفرق في المعنى بين (من مثله) و(مثله) ثم كل آية تنطبع بطابع الفرق هذا. فإذا قلنا مثلاً : إن لهذا الشيء أمثالاً فيقول: ائتني بشيء من مثله فهذا يعني أننا نفترض وجود أمثال لهذا الشيء أما عندما نقول : ائتني بشيء مثله فهذا لا يفترض وجود أمثال لكنه محتمل أن يكون لهذا الشيء مثيل وقد لا يكون فإن كان موجوداً ائتني به وإن لم يكن موجوداً فافعل مثله. هذا هو الفرق الرئيس بينهما.

هذا الأمر طبع الآيات كلها . أولاً قال تعالى في سورة البقرة (وإن كنتم في ريب) وفي آية سورة يونس قال تعالى (افتراه) وبلا شك (إن كنتم في ريب) هي أعمّ من (افتراه) أن مظنة الإفتراء أحد أمور الريب (يقولون ساحر يقولون يعلمه بشر يقولون افتراه) أمور الريب أعم وأهم من الإفتراء والإفتراء واحد من أمور الريب.

*والأمر الآخر أننا نلاحظ أن الهيكلية قبل الدخول في التفصيل (وإن كنتم في ريب) أعمّ من قوله (افتراه) و(من مثله) أعمّ من (مثله) لماذا؟

 لو لاحظنا المفسرين نجد أنهم وضعوا احتمالين لقوله تعالى (من مثله) فمنهم من قال من مثله أي من مثل القرآن وآخرون قالوا أن من مثله أي من مثل هذا الرسول الأمي الذي ينطق بالحكمة أي فاتوا بسورة من القرآن من مثل رجل أمي كالرسول r. وعليه فإن (من مثله) أعمّ لأنه تحتمل المعنيين أم (مثله) فهي لا تحتمل إلا معنى واحداً وهو مثل القرآن ولا تحتمل المعنى الثاني. الإحتمال الأول أظهر في القرآن ولكن اللغة تحتمل المعنيين. وعليه فإن (إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله) أعم من (أم يقولون افتراه فاتوا بسورة مثله) لأن إن كنتم في ريب أعمّ من الإفتراء و(من مثله) أعمّ من (مثله).

ونسأل هنا هل يمكن أن تأتى من مثله في سورة يونس؟

لا يصح أن يقول في سورة يونس مع الآية (أم يقولون افتراه) أن يأتي بـ "فاتوا بسورة من مثله" بإضافة (من) وإنما الأصح كما جاء في الآية أن تأتي كما هي باستخدام "مثله" بدون "من" (فاتوا بسورة مثله) لأن استخدام "من مثله" تفترض أن له مثل إذن هو ليس بمفترى ولا يصح بعد قوله تعالى (أم يقولون افتراه) أن يقول (فاتوا بسورة من مثله) لأنه عندما قال من مثله افترض وجود مثيل له فإذن هو ليس مفترى ولا يكون مفترى إذا كان له مثيل إذن تنتفي صفة الافتراء مع افتراض وجود مثل له. إذن لا يمكن استبدال أحدهما بالأخرى أي لا يمكن قول (مثله) في البقرة كما لا يمكن قول (من مثله) في سورة يونس.

والأمر الآخر أيضاً أنه تعالى قال في آية سورة البقرة (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ولم يقل ادعوا من استطعتم كما قال في سورة يونس (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ونسأل لماذا جاءت الآية في سورة يونس ولم تأتي في آية سورة البقرة؟ ونقول أنه في آية سورة البقرة عندما قال (من مثله) افترض أن له مثل إذن هناك من استطاع أن يأتي بهذا المثل وليس المهم أن تأتي بمستطيع لكن المهم أن تأتي بما جاء به فلماذا تدعو المستطيع إلا ليأتي بالنصّ؟ لماذا تدعو المستطيع في سورة البقرة طالما أنه افترض أن له مثل وإنما صحّ أن يأتي بقوله (وادعوا شهداءكم) ليشهدوا إن كان هذا القول مثل هذا القول فالموقف إذن يحتاج إلى شاهد محكّم ليشهد بما جاءوا به وليحكم بين القولين. أما في آية سورة يونس فالآية تقتضي أن يقول (وادعوا من استطعتم) ليفتري مثله، هم قالوا افتراه فيقول تعالى ادعوا من يستطيع أن يفتري مثله كما يقولون. إذن فقوله تعالى (وادعوا شهداءكم) أعمّ وأوسع لأنه تعالى طلب أمرين: دعوة الشهداء ودعوة المستطيع ضمناً أما في آية سورة يونس فالدعوة للمستطيع فقط.

(د.أحمد الكبيسى):

المسألة الثالثة رب العالمين تكلم عن الذين ينكرون نبوة محمد وينكرون أن هذا قرآن، مرة قال (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿23﴾ البقرة) وبعدين في مكان آخر (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴿38﴾ يونس) بدون (من) طبعاً من أجل هذا في سورة يونس يقول (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ (38) يونس) على القرآن (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿38﴾ يونس) في الأولى قال (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) والثانية (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) في الأولى شك في نبوة محمد أنه ليس نبي فالخلاف أنه ليس نبي قال إذا كان ليس نبياً هاتوا برجل من عندكم من رجالكم اقترحوا أي واحد يأتي ويقول كلام مثل ما يقوله محمد وهاتوا شهداء على أننا نعرف فلان الفلاني الشاعر الأديب الخ هذا قال كلام مثل كلام محمد بالضبط، مستحيل تجدوا هذا الشيء فليس هناك رجل يشبه محمد لا في أخلاقه ولا في خلقه ولا في صفاته ولا في تاريخه ولا في نصاعة نسبه الخ مستحيل هناك رجل يشبه محمد صلى الله عليه وسلم من كل قومكم وعشائركم وقبائلكم إذاً أين الإشكال؟ (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ) من رجل مثل محمد يقول نفس السورة أو قريب منها فالشك هنا والريب كان في شخص النبي صلى الله عليه وسلم. أما في قوله (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) الشك في القرآن هم يقولون أن محمد نبي لكن هذا القرآن ممكن أنه هو قاله من عنده كان هو أديب والخ قال إذن أتوا بسورة مثل ما قال وهناك من مثل محمد وهنا مثل القرآن، هذا الفرق بين (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) و (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ). لهذا قال في البقرة لما قال هاتوا بشخص مثل محمد قال (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) هاتوا شهود يشهدون بأننا رأينا واحداً مثل محمد ويقول كلاماً مثل محمد وفي سورة يونس قال (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ). لما تحداهم أن يقولوا كلاماً كالقرآن هناك تحداهم أن يأتوا بشخصٍ كمحمد وهنا تحداهم أن يأتوا بكلامٍ كالقرآن قال (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) روحوا استعينوا بكل من تستطيعون بكل الشعراء والأدباء والحكماء إذا استطعتم أن تقولوا سورة ولو (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿1﴾الإخلاص) نحن نقبل التحدي، هذه هي المسألة الثالثة.

آية (42):

* ما اللمسة البيانية في استعمال (من )في قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ )؟(د.فاضل السامرائى)

ذكرنا سابقاً أن (من) في سنن العربية يُبدأ معها بالإفراد الذي يعود على لفظ (مَن) ثم يُؤتى بالذي يفسّر المعنى وذكرنا عدة أمثلة .

يأتي بالإفراد (من) ثم يفسّر بالمعنى كما في قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) التوبة)

 (من) تأتي للمفرد والجمع والمثنى والمذكر والمؤنث وتأتي أولاً بصيغة المفرد ثم يأتي بعدها بما يخصص المعنى وهذا هو الأكثر في القرآن مثل (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11) الطلاق) إلا إذا اقتضى السياق والبيان أن يخصص ابتداءً كما في قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) يونس).

* ما اللمسة البيانية في الجمع مع يستمعون والإفراد مع ينطر في قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43) يونس)؟(د.فاضل السامرائى)

هنا نسأل أيّ الأكثر المستمعين أم الناظرين؟ في مسجد أو محاضرة قد يحول عائق ما دون النظر إلى الخطيب لكن الذن يستمعون إليه أكثر فجاء تعالى بالجمع مع الكثرة (يستمعون) وجاء بالإفراد مع القلة (ينظر) ولو كان للقِلّة النسبية. وقد ورد هذا الاستعمال في القرآن فعلى سبيل المثال يستعمل القرآن البررة والأبرار يستعمل البررة دائماً للملائكة وليس للناس لأن الملائكة كلهم بررة (كثرة نسبية) فجاء بجمع التكسير، ويستعمل الأبرار للناس.

وفي مداخلة أحد المستمعين قال فيها أنه قد يكون استعمال الجمع للسمع والإفراد للنظر أن السمع يكون مباشراً وغير مباشر أما التظر فلا يكون إلا مباشراً.

*لماذا قال تعالى في سورة يونس (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ (42)) بصيغة الجمع وإثبات النون مع السمع ثم قال (وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ (43)) بالمفرد مع النظر؟(د.فاضل السامرائى)

هذا السؤال تكرر أكثر من مرة وأجبنا عنه. المستمعون أكثر من الذين ينظرون، حتى في الخطبة في المسجد أو في مكان آخر المستمعون كُثُر والناظرين قليل فلما كان المستمعون أكثر جاء بالجمع (يستمعون) ولما كان الناظرين أقل جاء بالمفرد (ينظر). قال منهم كله منهم وهم ليسوا فئة محدودة بعشرة أشخاص أو خمسة، منهم مستمعين وهم أكثر من الناظرين منهم من يستمعون ومنهم من ينظر ولكن المستمعين قطعاً أكثر من الناظرين فجاء بالكثرة بالواو الدالة على الجمع مع المستمعين وبالمفرد مع الأقل.

* لماذا جاء الفعل (يستمعون بالجمع) مع أن (من) يأتي بعدها مفرد مذكر (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) يونس) مع أنه ورد بالإفراد في آيات أخرى؟ ولماذا وحّد النظر (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ) وجمع الإستماع؟(د.حسام النعيمى)

في قول الله سبحانه وتعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) أولاً كلمة (من) الموصولة لفظها - يقول العلماء - لفظ مفرد، صوتها (من) مثل صوت كلمة (يد) أو (أخ) أو (أب) مكونة من حرفين. (من) إسم موصول بمعنى الذي، اللتين، اللذين، الذين، اللواتي لأنك تقول هي لفظها لفظ مفرد (من) مثل يد، يد مفرد وأخ مفرد لكن (من) مبني لفظها لفظ مفرد معناها العرب تقول: جاءني من أحترمه وجاءني من أحترمها وجاءني من أحترمهم وجاءني من أحترمهنّ وجاءني من أحترمهما، (من) تؤدي كل هذا عند العرب. فهنا لما يكون اللفظ لفظ مفرد والمعنى للجمع أنت تستطيع أن تراعي جانب اللفظ أو أن تراعي جانب المعنى فيمكن أن تقول: جاءني من أحترمه والقادم عدد من الرجال أو من النساء (من أحترمه) يعني هؤلاء الذين جاءوا. جاءني من أحترمه فأجلست كل واحد منهم في موقعه، لا بد من وجود قرينة سياقية. لكن السؤال الذي يرد أنه إذا نظرت إلى اللفظ ونظرت إلى المعنى فنجد أنه في لغة العرب - والقرآن الكريم إلتزم هذا - إذا نظر إلى اللفظ والمعنى في آن واحد يقدِّم اللفظ على المعنى يعني يستعمل إذا قال (من) (ومن الناس من يقول) مفرد (آمنا بالله) جمع (وما هم بمؤمنين) جمع، أعطى اللفظ حقه وأعطى المعنى حقه. لكن أحياناً أنت تعطي المعنى حقه فقط ولا تريد أن تشير إلى اللفظ ومن حقك ذلك كما قلنا (جاءني من أحترمهم). في قوله تعالى (ومنهم من يستمعون إليك) راعى المعنى مباشرة ما راعى اللفظ والمعنى. لو راعى اللفظ والمعنى يقدِّم اللفظ على مراعاة المعنى. هنا راعى المعنى مباشرة قال (ومنهم من يستمعون إليك) ولو قال في غير القرآن ذلك لصح (منهم من يستمع إليك) من هؤلاء يمكن أن يكون واحد منهم جماعة لكن لما جاء (من) يحتمل الواحد والجمع، هنا قال (ومنهم من يستمعون) ولو قال في غير القرآن ومنهم من يستمع لجاز. (أفأنت تسمع الصم) على الجمع.

(وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ (43) : بالإفراد ، هنا راعى اللفظ في كلمة (ينظر) وراعى المعنى في كلمة (ولو كانوا لا يبصرون).

لاحظ الآية الأخرى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25) الأنعام) جمع فاستعمل المفرد ثم الجمع.

الآية الأخرى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ (16) محمد) إذن راعى اللفظ وراعى المعنى. ماذا قال العلماء؟ قالوا صحيح هذا جائز وهذا جائز لكن لماذا استعمل الجائز هذا هنا واستعمل الجائز ذاك هناك؟ التأمل في كلام الله سبحانه وتعالى لما يتأمل الإنسان في كلام الله سبحانه وتعالى تنفتح له آفاق، علماؤنا تأملوا فوجدوا أنه إذا استعمل الجمع مباشرة يراد الكثرة وإذا استعمل الإفراد ثم الجمع يراد القِلّة.

هنا عندنا (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ (42) يونس) الكلام هنا على الإستماع إلى آيات القرآن الكريم والاستماع إلى الرسول R وهو إستماع عام لكل العرب، كان يخاطبهم فيستمعون لكن هؤلاء الذين يستمعون لم يتقبلوا ما تلقيه عليهم فيقول تعالى له (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ) هؤلاء الذي يستمعون إليك على كثرتهم كأنهم لا يستفيدون مما تقوله لهم، هذا عام. (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ(وجعلنا على قلوبهم) هؤلاء المجعول على قلوبهم أكنة، الذين سبق في علم الله سبحانه وتعالى نتيجة إصرارهم وضلالهم أن قلوبهم صارت في أغطية هم ليسوا بكثرة عدد المستمعين، هم مجموعة قليلة، فالذين على قلوبهم أكنة قِلة فاستعمل الإفراد معهم أولاً ثم تكلم على مجموعهم فقال (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ) فئة قليلة فاستعمل الإفراد.

الآية الأخرى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ) الذين هم داخلين عند الرسول R ويستمعون (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) هم قِلة وحتى مجلس الرسول R قِلّة فاستعمل الإفراد (ومنهم من يستمع إليك) على سنة العرب في كلامها لكن استعمال خاص صحيح الإفراد مراعاة للفظ والجمع مراعاة للمعنى وقدم مراعاة اللفظ على مراعاة المعنى لكن لما كان المراد قليلاً استعمل الإفراد ولما كان كثيراً استعمل الجمع ابتداء (ومنهم من يستمعون إليك).

في الموضع نفسه قال (وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ) السياق كان يقتضي في الظاهر ومنهم من يستمعون ومنهم من ينظرون ولغوياً يجوز وتكون العبارة سليمة وصحيحة ولا غبار عليها ولا يحدث فيها سؤال. وهناك لو قال في غير القرآن (ومنهم من يستمع) أيضاً العبارة صحيحة لكن هناك يفوت فكرة الكثرة لو قال يستمع بينما المراد الكثرة يفوت عند ذلك كأنه أراد قِلّة بينما هو يريد الكثرة. هنا أيضاً علماؤنا لما نظروا في هذا الأمر – عنترة في الجاهلية قال: هل غادر الشعراء ، هل أبقى الشعراء لنا شيئاً في ذلك الزمان. لكن الجاحظ يقول : "وليس أضر على العلم من قول القائل ما ترك الأول للآخر" لأنه يصير نوع من التراخي. فعلى مر الزمان علماؤنا يتأملون في كتاب الله عز وجل وتنفتح لهم آفاق.

وهذا أيضاً مما وقفوا عنده قالوا: يستمعون عامٌ للكثرة. (وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ) هذا إفراد وفيه قِلّة لكن كيف قِلة؟ قال الذين كانوا يسمعون للرسول R صنفان: صنف كان يستمع جِهاراً وصنف كان يتخفّى في الاستماع يذهب بالليل ويسترق السمع وحدثت أكثر من واقعة أن فلان وفلان التقوا مع بعضهم بالليل وتعاهدوا على عدم العودة ثم عادوا في اليوم التالي ليستمعوا للقرآن الكريم، بينما النظر الذين ينظرون للرسول R محدودون فإذن المستمعون صنفان والناظرون صنف واحد لأنه في الليل لا يرى والمتخفي لا يريد أن يرى وإنما يريد أن يسمع فمن هنا كان السامعون أكثر من الناظرين فجاء الكلام على السامعين باختيار الجمع واختير المفرد لبيان القلة بالنسبة للنظر. ثم شيء آخر: الإبلاغ يكون بالإسماع وليس بالنظر، الأصل في الإبلاغ الإسماع فألصل أن المستمعين أكثر من الناظرين، هذا قولهم وهو قول موفق فيما أرى والله أعلم.

*متى يأتى فعل الاستماع متعدياً فى القرآن؟(د.فاضل السامرائى)

حيث عدّى الاستماع في القرآن الكريم حيث يقول (إليك) لا بد أن يجري ذكر الرسول في سياق الآية. إذا قال إليك فلا بد أن يذكر شيئاً يتعلق بالرسول r. مثال (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25) الأنعام) المخاطب هو الرسول r. لما ذكر إليك (حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)، (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ (16) محمد) متعلق بالرسول r (قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا). (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ (42) يونس) المخاطب هو الرسول r. (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا (47) الإسراء) حيث يقول (يستمعون إليك) أو (يستمع إليك) يجري ذكر الرسول r في السياق.

آية (46):

*((فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) يونس)) ما دلالة (ثم)فى الآية؟(د.فاضل  السامرائى)

(ثم) في غالب معناها يكون الترتيب والتراخي لكنها لا تنحصر بهذا المعنى. قد تكون (ثم) للتفاوت بالرتبة هي ليست دائماً للترتيب والتراخي يعني ما بعدها أكبر وأعظم مما قبلها في رتبته وحتى النحاة ضربوا مثلاً أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، ما صنعت أمس هذا قبله استعمل (ثمّ) وهي مفترض أن يكون للترتيب والتراخي هو استعملها لما قبلها ليس المقصود الترتيب الزمني ولكن في الرتبة والمرتبة ليس الزمن الأصل فيها للترتيب والتراخي والمهلة لكنها ليست منحصرة في هذا الشيء قد تكون للترتيب الذكري للتفاوت في الرتبة والمنزلة. نضرب مثالاً من القرآن (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) البلد) أيها الأكبر؟ ما بعد (ثم) أكبر، فإذن تفاوت في الرتبة سيكون هذا الشيء أعلى. (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) يونس) ربنا سبحانه وتعالى عالم دائماً، إذن (ثم) تفيد أن ما بعده هو أكبر مما قبلها. مثال النحاة أعجبني ما صنعتَ اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، هذا للتفاوت. دخل محمد ثم خالد هذا للترتيب والتراخي حتى في الفاء قد تكون للترتيب الذِكري فقط للذكر وليس للترتيب والتعقيب ليس مثل جاء أحمد فخالد (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4) الأعراف) هل جاءها البأس قبل الإهلاك؟ ربنا قدّم الإهلاك هذا يسمى الترتيب الذكري، توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يديه رجليه، هوغسل أولاً حتى يصير وضوءاً.

*آية تتكرر كثيراً (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أو (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )؟ ما الفرق  بين الحكم و الفصل؟(د.فاضل السامرائى)

الحكم القضاء والفصل أشد لأنه يكون بَوْن أحدهما، أن يكون بينهما فاصل حاجز إذن الفصل أشد فإذن لما يقول في القرآن يفصل بينهم تكون المسافة أبعد كأن يذهب أحدهم إلى الجنة والآخر إلى النار أما الحكم فلا وقد يكون في ملة واحدة، نضرب أمثلة: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة) هؤلاء يذهبون معاً إلى جهة واحدة اليهود والنصارى كلاهما ليس أحدهما إلى الجنة والآخر إلى النار فليس فيه فصل. (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) النحل) اختلاف في ملة واحدة وهم اليهود، وكلهم يذهبون معاً إلى جهة واحدة مع بعض. (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (3) الزمر) كلهم يذهبون إلى جهة واحدة. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) الحج) هؤلاء لا يذهبون إلى جهة واحدة فهم فئات مختلفة إذن يفصل. الفصل يتضمن الحكم حكم وفصل فيكون أشد. ولذلك قال المفسرون في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) السجدة) قالوا الفصل بين الأنبياء وأممهم وبين المؤمنين والمشركين. فإذن الفصل حكم لكن فيه بَوْن كل جهة تذهب إلى مكان لذا قال في سورة ص (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ (22)) هذا حكم قضاء.

آية (49):

*ما اللمسة البيانية في التقديم والتأخير في الضر والنفع في القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائى)

حيث تقدّم النفع على الضر يكون في السياق ما يتضمن النفع وبالعكس.

 قال تعالى في سورة يونس (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ {49}) فقد جاء قبلها الآية (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ {11} وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {12}) وهنا قدّم الشرّ على الخير فناسب أن يقدّم الضرّ على النفع.

أما في سورة الأعراف{188} قدّم النفع على الضر لأن السياق في الآيات ما قبلها في النفع (مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ {178}‏) قدّم الهداية التي هى من النفع على الضلال الذي هو من الضر. وكذلك في الآية نفسها قدّم النفع مع الخير(لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) على الضر.

حيث تقدّم النفع على الضر يكون في السياق ما يتضمن النفع وبالعكس.

*متى يأتي الضر قبل النفع في القرآن؟(د.فاضل السامرائى)

القدامى بحثوا في هذه المسألة وقالوا حيث يتقدم ما يتضمن النفع يسبق النفع وحيث يتقدم ما يتضمن الضر يقدم الضر. (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) الأعراف) قدم النفع على الضر وقال قبلها (مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) الأعراف) فلما قدم الهداية قدم النفع (مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي). وقال بعدها في نفس السياق (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) قدم النفع على الضر إذن مناسب هنا تقديم النفع على الضر لأن تقدّمها. في تقديم الضر: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (49) يونس) هنا قدم الضر وقبلها قال تعالى (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ (11) يونس) هذا ضر، (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ (12) يونس) وبعدها قال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا (50) يونس) تقديم الضر أنسب.

*ما الفرق بين الضُرّ (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ (17) الأنعام) والضَر (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا (49) يونس) والضرر (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ (95) النساء) والحديث الشريف "لا ضرر ولا ضرار"؟(د.فاضل السامرائى)

الضُر يكون في البدن من مرض وغيره (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ (83) الأنبياء). الضَر مصدر بما يقابل النفع (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا (188) الأعراف). الضرر الإسم أي النقصان يدخل في الشيء يقال دخل عليه ضرر (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) أي الذين فيهم عِلّة أما الضر فهو ما يقابل النفع. الضرر هو الإسم عام والضرّ مصدر. الضُر ما يحصل في البدن من سقم والضَر المصدر لما يقابل النفع والضرر إسم. نحن عندنا المصدر وأحياناً يكون التغيير في المصدر بحركة أو بشيء آخر يسمى إسماً. مثلاً: الدّهن والدُهن، الدَهن هو المصدر دهن جسمه دهناً، والدُهن هو المادة المستخلصة من النبات للدهن. الحَمل والحِمل، الحَمل مصدر حمل والحِمل هو الشيء المحمول تغير المعنى بالحركة من مصدر إلى إسم. الوَضوء هو الماء والوُضوء هو عملية التوضؤ نفسها. هذا تغيير بالحركة

آية (58):

*(قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58) يونس) ما الفرق بين الفضل والرحمة؟(د.فاضل السامرائى)

يقولون فضل الله هو القرآن والرحمة أن جعلكم من أهله، جعلكم مسلمين.

آية (60):

*(ولكن أكثر الناس لا يشكرون )و( ولكن أكثرهم لا يشكرون)؟(د.أحمد الكبيسى)

رب العالمين دائماً يتكلم عن موضوع (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (243) البقرة) ومرة يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴿60﴾ يونس) يعني رب العالمين مرة تكلم عن نعمه أو أفضاله على الناس يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) يذكر الناس وهنا يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) لا يذكر الناس لماذا مرة يذكر الناس ومرة لا يذكر الناس فقط يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ)؟ يعني نحن في حياتنا اليومية عندما يكون هنالك شخص تحترمه أو من أقاربك من أقاربك المحترمين أبوك عمك خالك تقول هذا عمي فلان أو جاء عمي فلان وراح عمي فلان فأكثر من مرة تذكر اسم عمك فلان تذكره وإذا شخص تحتقره أو هو مهين أو لا شأن له تقول هذا والله هذا راح وهذا جاء وهذا جاء لنا اليوم فتشير له بعدم اكتراث. فكل من تحترمه أنت أو تحبه أو ذو فضلٍ عليك تقول هذا فلان أما إذا هو مهين بالنسبة لك لا شأن له تقول هذا فتقول أين ذهب هذا؟ لا تقول أين ذهب عمي أو أين ذهب أبي بل تقول أين ذهب هذا؟ فرب العالمين أحياناً حين يتكلم عن عباده الصالحين يقول (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) صح أنهم لا يشكرون ولكنهم عباده مؤمنين بالله وموحدون طيبون كرماء لكن عندهم أخطاء وطبيعة شكرهم لله ليست واضحة، عبادة الشكر من أعظم العبادات وقليلٌ منا من يحسنها، الشكر هذا باب هائل الله قال (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿13﴾ سبأ) وقليلُ فأنت لست من القليل.

آية (61):

*ما الفرق بين قوله تعالى (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء) وقوله (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)؟(د.فاضل السامرائى)

قال تعالى في سورة يونس (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ {61}) وقال في سورة سبأ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ {3}).  بداية الآية مختلفة ، التذييل متشابه، آية سبأ جاءت تذييلا وتعقيبا للحديث عن الساعة، آية يونس جاءت لبيان مقدار إحاطة علم الله بكل شيء، وسعة ذلك العلم، ترتب على هذا اختلاف التعبير بين الآيتين كما سنوضح فيما يلي:

في آية سورة يونس استخدم (ما) أما في سورة سبأ استخدمت (لا) والسبب أن في الأولى جاء سياق الكلام عن مقدار إحاطة علم الله تعالى بكل شيء كما جاء في أول الآية (وما تكون في شأن). أما في الآية الثانية في سورة سبأ فالسياق في التذييل والتعقيب على الساعة. و(لا) هذه قد تكون لا النافية (لا يعزب) وتكون للإستقبال مثل (لا تجزي نفس عن نفس شيئاً) وقد تكون للحال (مالي لا أرى الهدهد). إذن (لا) مطلقة تكون للحال أو للمستقبل وهي أقدم حرف نفي في الهربية وأوسعها استعمالاً. وهي مع المضارع تفيد الإستقبال وهو مطلق كما في قوله تعالى (لا تأتينا الساعة إلا بغتة) فجاء الردّ من الله تعالى  (بلى لتأتينكم) و(لا يعزب) كل الجواب يقتضي النفي بـ (لا). وجاء استخدام الضمير (عنه) في آية سورة سبأ لأنه تقدّم ذكر الله تعالى قبله، أما في سورة يونس فلم يتقدم ذكر الله تعالى فجاءت الآية (وما يعزب عن ربك).

عالم الغيب في سورة سبأ وكلمة عالم لا تأتي إلا مع المفرد (عالم الغيب والشهادة) وعالم إسم فاعل كقوله تعالى (غافر الذنب) أما علاّم فهي تقتضي المبالغة مثل (غفّار).

من مثقال ذرة: من الزائدة الإستغراقية وهي تفيد الإستغراق والتوكيد. نقول في اللغة (ما حضر رجل) وتعني أنه يحتمل أنه لم يحضر أي رجل من الجنس كله أو رجل واحد فقط. وإذا قلنا: ما حضر من رجل: فهي تعني من جنس الرجل وهي نفي قطعي. وقوله تعالى في سورة يونس (من مثقال ذرة) للتوكيد لأن الآية في سياق إحاطة علم الله بكل شيء لذا اقتضى السياق استخدام (من) الإستغراقية التوكيدية.

التقديم والتأخير في السماء والأرض: الكلام في سورة يونس عن أهل الأرض فناسب أن يقدم الأرض على السماء في قوله تعالى (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) أما في سورة سبأ فالكلام عن الساعة والساعة يأتي أمرها من السماء وتبدأ بأهل السماء (فصعق من في السموات والأرض) و(ففزع من في السموات ومن في الأرض).

واستخدمت السماء في سورة يونس لأن السياق في الإستغراق فجاء بأوسع حالة وهي السماء لأنها أوسع بكثير من السموات في بعض الأحيان. فالسماء واحدة وهي تعني السموات أو كل ما علا وفي سورة سبأ استخدم السموات حسب ما يقتضيه السياق.

الفرق بين (ولا أصغرُ) في سورة سبأ و(ولا أصغرَ) في سورة يونس: في سورة يونس (أصغرَ) إسم مبني على الفتح ولا هي النافية للجنس وتعمل عمل إنّ وهي تنفي الجنس على العموم. ونقول في اللغة: لا رجلَ حاضرٌ بمعنى نفي قطعي. (هل من رجل؟ لا رجلَ) وهي شبيهة بحكم (من) السابقة. إذن جاء باستغراق نفي الجنس مع سياق الآيات في السورة. أما في سورة سبأ فالسياق ليس في الإستغراق ونقول في اللغة : لا رجلُ حاضرٌ. (هل رجلٌ؟ لا رجلٌ) فهي إذن ليست للإستغراق هنا.

آية (62):

*ما معنى كلمة الولي ؟(د.فاضل السامرائى)

تستعمل للتابع والمتبوع والناصر، الوليّ التابع المحب الذي يتولى أمره والولي الناصر، يعني الله ولينا ونحن أولياء الله (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ (257) البقرة) يتولى أمرهم (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) يونس) فالولي تستعمل للفاعل والمفعول وتسمى من الأضاد. يقال مولى رسول الله والله مولانا، كلمات كثيرة في اللغة العربية تستعمل في هذا وهي واضحة في اللغة وفي الاستعمال القرآني.

*ما الفرق بين الإيمان والتقوى؟(د.أحمد الكبيسى)

هناك أولاً إسلام عام ثم إيمان عام ثم إيمان خاص، المرحلة الرابعة بعد الإيمان الخاص التقوى (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾ يونس) من هم؟ (الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿63﴾ يونس) الإيمان غير التقوى (وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا ﴿103﴾ البقرة) شوف اثنين انتقل من مسلم قولي إلى إيمان عام إلى إيمان خاص إلى تقوى (وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿278﴾ البقرة). إذا هكذا قلنا الإسلام القولي ثم الإيمان العام ثم الإيمان الخاص الذي ممدوح ثم التقوى. نحن قلنا الإيمان الخاص المتبع للسنة يعني هذا دخل الإسلام في قلبه ويحاول أن يطبقه تطبيقاً كاملاً في النوافل وكل شيء، يترقى يصبح متقياً، المتقي هذا يتعامل مع القرآن بعد أن خدم في الإيمان الخاص بالسُنّة الآن ترقى إلى القرآن (الم ﴿1﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ البقرة) من حيث أن هذا الكتاب كما الله قال (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴿28﴾ فاطر) فرق بين أن يقرأ شيئاً وبين أن يتعلم فيه كما قال أخونا من رأس الخيمة، هذا يبحث في علومه هذا من المتقين وبالتالي هذا يقود من أجل ذلك دائماً في القرآن الكريم ماذا يقول؟ مثلاً (الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿57﴾ يوسف) (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿18﴾ فصلت) وهكذا كل القرآن المتقي جاء بعد الإيمان الخاص بدأ يأخذ من منهل عظيم من كتاب الله عز وجل أي صار من أهل العلم والفهم في هذا الكتاب .

آية (71):

* ما الفرق بين النبأ والخبر؟(د.فاضل السامرائى)

النبأ كما يقول أهل اللغة أهم من الخبر وأعظم منه وفيه فائدة مهمة. والنبأ في اللغة هو الظهور وقد استعمل القرآن الكريم كلمة خبر مفردة في موطنين في قصة موسى u (29) القصص (7) النمل وهناك فرق بين الخبر والنبأ العظيم. وفي أخبار الماضين والرسل استعمل القرآن نبأ  (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) يونس.

والصيغة الفعلية للنبأ (أنبأ) أقوى أيضاً منها للخبر (أخبر) (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الكهف).

ملحوظة: في نشرات الأخبار التي تقدمها الإذاعات إن كان الخبر عظيماً يجب أن يقال نشرة الأنباء وإن كان خبراً عادياً يقال نشرة الأخبار.

آية (72):

*(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿72﴾ يونس) (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿12﴾ الزمر) (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿104﴾ يونس)؟(د.أحمدالكبيسي)

قال تعالى (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿72﴾ يونس) (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿12﴾ الزمر) (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿104﴾ يونس) أبيّن الفرق بين (أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) و (أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) و (لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) حروف مختلفة ولكنها تختلف في المعنى تماماً.

إذاً نتكلم عن هذه المتشابهات في هذه الآية التي يخاطب الله بها رسوله: مرة يقول لرسوله الكريم (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وراءها يقول له في الزمر (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿11﴾ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿12﴾) أدخل (لأن) هذه جديدة غير الآيات الأخرى (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) وهذه هي أقوى الدلالات التي تترأس جميع الآيات الأخرى كما سنشرحه بعد قليل. في الأنعام (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿163﴾) هنا أول المسلمين، وفي يونس (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿104﴾) هذه المرة (من المؤمنين) وهذه أيضاً تعطي حلقة أو مرحلة من مراحل هذا النمو الكريم. طبعاً لا يمكن أن نصل إلى الفروق بين هذه الاختلافات اليسيرة بين كل آية وآية من حيث كونه متشابهاً ويحتمل أكثر من معنى، ما سأقوله واحد من المعاني، يتصاعد الفهم على وفق ما للقارئ من أرضية ثقافية من عصره من زمانه من مكتشفاته وكل قارئٍ في عصره بناءاً على واقعه يفهم فهماً خاصاً لكي يأتي الذي بعده يضيف على هذا الفهم فهماً آخر. هذا في المتشابه وما من رأي يلغي الرأي الآخر. في المُحكم قد يلغي فهنالك خلاف بين الفقهاء هذا يجوز وهذا حلال وهذا حرام، هذا إلغاء للآخر لأن هذه قضية أحكام إذاً كل ما نقوله هنا واحد من الاجتهادات تضيفه ما لم تثبت بأن هذا خطأ مائة بالمائة وهذا في المتشابه لا يكون أبداً.

لكي نعرف ما الفرق بين هذه الآيات لماذا (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) لا بد أن نعرف العلاقة، الطريق إلى الله ما هي مراحل الوصول إلى الله؟ كلنا في الطريق إلى الله ولكن الطريق إلى الله يختلف المسافرون فيه من حيث قوتهم وشجاعتهم ووسائل سفرهم في ناس تركب حمار في ناس تركب جمل في ناس تركب سيارة ناس تركب طيارة تصل في يومين وفي ناس يذهبون مشياً الكل سيصل لكن متفاوتون في الوصول ما هي المراحل التي ينبغي على المسلم أن يسير فيها لكي يصل في النهاية إلى الله عز وجل؟ هذه المراحل هي الإسلام القولي أولاً، الإيمان العام ثانياً، الإيمان الخاص ثالثاً، التقوى رابعاً، الإسلام المطلق خامساً والإسلام المطلق وأنت لاحظ أن الطريق إلى الله يبدأ بالإسلام وينتهي بالإسلام بدايته إسلام ونهايته إسلام. البداية إسلام بالقول قل لا إله إلا الله (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴿14﴾ الحجرات) يعني قلت لا إله إلا الله (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) حينئذٍ الإسلام الطريق الأول الابتدائي الذي يبدأ المسلم طريقه فيه إلى الله بشكلٍ صحيح هو الإسلام سواء كنت مسيحياً أو يهودياً أو نصرانياً أو صابئياً. الإسلام أولاً يعني أن تقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هذا عنوان الدخول إلى الطريق إلى الله، إلى الطريق الصحيح إلى الله إذا قلت هناك إله آخر، هناك بديل يقرب إلى الله زلفى أنت لست مسلماً وأنت خاطئ ولن تصل وليس هذا طريقك. من أجل هذا الطريق الأول أن تسلم بلفظك بقولك أنا أؤمن بأن الله واحد لا شريك له وهذا لا يحاسب على ما في قلبه وعلى فعله بل يحاسب على لسانه (إذا قالوها عصموا مني) قال له (أشققت عن قلبه؟) إذا قال الإنسان لا إله إلا الله حينئذٍ هذا الرجل أعلن أنه موحدٌ لله عز وجل ولا يعبد إلهاً غير الله وهذه هي القضية المركزية لهذا الكون كله. ما من نبيٍ إلا أنزل الله قل لقومك أن يعبدوا الله وحده لا شريك له هكذا هذه البداية ولا يوجد بداية غيرها. لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبك نحن لا يعنينا أن يكون قلبك مصدقاً فيها هذه (مصدقاً بها قلبك) يوم القيامة نحن فقط إذا قلتها بلسانك أيّ واحد يقول لا إله إلا الله قد عصم دمه ونفسه وماله وأخذ كل الحقوق وأصبح واحداً من الأمة ولا يمكن لأحد أن يقول له ثلث الثلاثة كم؟ بأن يقول قول (إذا قالوها) من أجل هذا هذه الخطوة الأولى رجلك على أول الطريق أن تقول أنا لا أعبد أصنام ولا أعبد كذا ولا أشرك بالله أحداً إلهي وربي واحدٌ لا شريك له (قل لا إله إلا الله) هذا هو المفتاح للطريق كله هذا هو الإسلام الأول الإسلام اللفظي الإسلام القولي. وفي النهاية سوف ترى أن كل ما وراء ذلك يترتب على هذه المقولة ويأتي عليها تباعاً بمراحل كما الابتدائية والمتوسطة وثانوي وكلية وجامعة ودكتوراه والخ. البداية الابتدائي من دون الابتدائي لا يمكن أن تصل لا يمكن أن تقفز رأساً للثانوي أو الكلية لا بد من الابتدائي. الابتدائية في الإسلام (لا إله إلا الله) إذا قلتها بلسانك تكتسب جميع الحقوق وما من حق أحد أن يقول أنت كاذب أبداً والنبي صلى الله عليه وسلم رأى واحداً قتل واحداً بالقتال وكان ذلك المشرك يقاتل قتال المستبسلين فلما صرعه المسلم وأوشك أن يهوي عليه بالسيف قال لا إله إلا الله لكن هذا السيف سبق وقتله فغضب عليه النبي غضباً شديداً قال له( أقتلته وقد قالها؟!) وكررها حتى خاف المسلم فقال (يا رسول الله إنما قالها فرقاً من السيف) خوفاً من السيف قال (أشققت عن قلبه؟) يا الله! دستور ما يقبل خطأ هذا ما فيه احتمال ولا شبهة ولا اشتباه ولا اجتهاد إذا قال لا إله إلا الله كُفّ عنه (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴿94﴾ النساء) هذا الخطوة الأولى الإسلام القولي. بعدها تأتي الخطوة الثانية وهي الإيمان وهو إيمان عام (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ﴿14﴾ الجن) إسلام قولي (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) ماذا قال فرعون وهو يغرق؟ (قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿90﴾ يونس) (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿2﴾ الحجر) هذا الإسلام القولي مقابل الكفر، كفر وإسلام كفر وإسلام، كفر يعني يقول لك أنا لا أعبد الله وإسلام يقول - وليس يعتقد - يقول فنحن لا يعنينا ماذا في قلبه يقول أنا أعبد الله وحده لا شريك له إذا صار هذا القول تصديقاً صار إيماناً. الفرق بين الإسلام والإيمان هو هذا، الإسلام يتطور حتى يصبح مصدَّق مصدق أن يكون دخل بلسانه ثم قرأ وقال والله أبداً لا إله إلا الله فعلاً والله هو الخالق الرازق وما في غيره ولا أشرك به شيئاً وكل ما عداه باطل، اقتنع صار مؤمناً عاماً هذا الذي صار مؤمناً عاماً الله قال (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴿25﴾ البقرة) كلما تقرأ (آمنوا وعملوا الصالحات) هذا الذي كان مسلماً بلسانه صدق قلبه واعتقد ثم صدق بقلبه وصار عملي يؤدي الصلوات ويؤدي الزكاوات صار مؤمناً عاماً دخل في دائرة الإيمان لكن بدون رتبة، يعني أنت في الجيش لكن بدون رتبة لكنك في الجيش أصبحت مقبولاً (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿82﴾ البقرة) (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿45﴾ البقرة) يعني هذا خطاب لشخص مصدق روح صلي روح صوم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴿183﴾ البقرة) (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴿103﴾ النساء) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴿254﴾ البقرة) كل العبادات التي تترتب على الإسلام بدأ هذا الذي أسلم بلسانه يعتقد بأن ما يفعله صحيحاً وأن عليه واجبات فهذا فدخل في حظيرة الإيمان العام صار من ضمن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴿200﴾ آل عمران) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴿135﴾ النساء) يعني الحلال والحرام يعني هذا الرجل آمن بقلبه وبدأ يعمل الحلال والحرام هذا مؤمن عام. إذاً المرحلة الأولى الإسلام القولي والمرحلة الثانية انتقال إلى الإيمان بالتصديق والعمل هذا المؤمن العام يترقى حتى يصير مؤمناً خاصاً إتباعه للنبي إتباعاً واضحاً (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴿31﴾ آل عمران) كيف نعرف هذا؟ إذا امتدحه الله في الكتاب العزيز. رب العالمين امتدح شرائح من المؤمنين مدحاً عظيماً وأعطاك مواصفاتهم، أعطى مواصفاتهم حينئذٍ هذا المؤمن الخاص الذي يبدأ تعامله مع النبي  تطبيقاً من الآن رجلاً يتبع (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) إتباع مع ورع وحينئذٍ هذا صار من الوجهاء من المقدّمين في الطريق إلى الله في النهاية إذا استمر سيصل إلى أعلى الدرجات.

*ما الفرق بين قوله تعالى(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿72﴾ يونس) و (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿12﴾ الزمر) (د.أحمد الكبيسى)

عندما يأتي الفعل يريد وبعده أن وفعل آخر هذا إعلان الإرادة أريد أن أعلمك فقط أعلن نيتي أنا ما علمتك بعد، عندما أريد أن أعلمك أريد أن أعاقبك أريد أن أجزيك كل هذا إعلان للفعل أنا سأفعل هذا هذا وعدٌ سواء كان وعداً أو تهديداً أو تكريماً أو ما شاكل ذلك أريد أن أفعل كذا. إذا أقول أريد لأفعل كذا باللام المضمرة معناها إني قد اتخذت الأسباب وباشرت الفعل لما أقول أريد أن أعلمك هذا بعد ما بدأنا وعد أريد لأعلمك يعني أنا أحضرت الدفاتر والأوراق والكتب وفرشتها تعال اجلس، قلت ماذا تريد مني؟ أريد أن أعلمك أريد لأعلمك هذا في كل الآيات (يريد الله ليتوب) اتخذ الأسباب وهذه الأسباب وما أكثرها في هذا الدين. كذلك تقول الآية (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿72﴾ يونس) (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿12﴾ الزمر) هذا فرق وهذا فرق يعني على هذا الأساس هناك فقط إعلان الأمر (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ) اتخذ الأسباب كاملة وطبعاً نحن تعلمنا أنه الآن كل فعل أراد ويريد إذا جاء بالأن والفعل معناها إعلان إذا جاء باللام لام التعليل المضمرة بعدها قل ليتوب، ليعفو، ليضلوا، معناها اتخذوا الأسباب وطبقوا ما وعدوا به وما هددوا به.

آية (73):

*ما اللمسة البيانية في تذكير كلمة عاقبة  مرة وتأنيثها مرة أخرى ؟(د.فاضل السامرائى)

في لغة العرب يجوز تذكير وتأنيث الفعل فإذا كان المعنى مؤنّث يستعمل الفعل مؤنثاً وإذا كان المعنى مذكّراً يُستعمل الفعل مذكّراً، والأمثلة في القرآن كثيرة منها قوله تعالى في سورة الأنعام (قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ {11}) وسورة يونس (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ {73}) المقصود بالعاقبة هنا محل العذاب فجاء الفعل مذكراً، أما في قوله تعالى في سورة  الأنعام (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ {135}) سوة القصص (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ {37}) فجاء الفعل مؤنثاً لأن المقصود هو الجنّة نفسها.

*(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (73) يونس) استشعار معاني هذه الآية فهل يمكن إظهار اللمسات البيانية في الآية؟(د.فاضل السامرائى)

نقرأ الآية (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (73) يونس) نلاحظ أنه هو في المغرَقين ذكر الصِلة قال (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا) يعني التي بسببها أغرِقوا، ذكر سبب الإغراق وقال من معه ولم يذكر شيئاً. هناك فريق كذّب فلما ذكر الذين كذبوا معنى من معه ليس منهم يعني صدّق، إذن ذكر علة الإغراق نفهم من قوله أنه ليس معهم وإنما من المصدقين. (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) قال (كان) ولم يقل (كانت) إذا ذكّر العاقبة تكون بمعنى العذاب في القرآن كله هذا خط عام في القرآن (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) الزخرف) العاقبة ينظر فيها إلى المعنى والعذاب مذكّر ينظر فيها إلى المعنى (مراعاة المعنى) وحيث كانت العاقبة مؤنثة فهي بمعنى الجنة (مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ (135) الأنعام) لأن الجنة مؤنثة فأنّث الفعل. العذاب مذكر ليس معناه جهنم وإنما العذاب في الدنيا أيضاً. العذاب مذكّر يُذكّر الفعل، العاقبة لما تكون بمعنى الجنة تحديداً يؤنِّث الفعل، هذه من خصوصيات الاستعمال القرآني وهي في اللغة جائزة وإنما في القرآن يدل على أن التعبير مقصود. هنالك أمر آخر في هذه القصة نفسها في الأعراف قال (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ (64) الأعراف) وليس (فنجيناه ومن معه) (من والذي) كلاهما إسم موصول. القصة واحدة والألفاظ مختلفة لكنها ليست متناقضة، نجّاه وأنجاه المعنى لا يختلف وإنما يبقى سبب الاختيار. نجيناه وأنجيناه لا يختلف المعنى وإنما الفرق بين فعّل وأفعل مثل علّم وأعلم، فعّل يحتاج إلى تدرج مدة طويلة، معناه مكث وقت طويل ثم نجى، أنجا ذكرها على وجه السرعة لما ضرب موسى العصى قال (فأنجيناه) لم يلبث ولم يبق كما بقي بنو إسرائيل في مصر كذلك لما ألقى إبراهيم في النار قال تعالى (فأنجيناه) لم يلبث فيها، وكذلك وصّى وأوصى، فعل وأفعل، فعّل فيها لبث وتمهل وأفعل في الغالب ليست كذلك ثم بحسب السياق هو هو في سياق الإسراع أو لا فيستعمل كل فعل بما يناسب السياق. الملاحظ أنه في سورة يونس كانت الحالة أشد لأن الله تعالى ذكر أموراً أشد وأحياناً يوجز في قصص الأنبياء وأحياناً يفصل فيها. في يونس قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71)) يتحدّاهم تحدياً. في الأعراف (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)) فقط، في يونس الموقف أشد. متي يأتي الناس عادة ويستغرقون في الأفكار لما يكونوا في موقف عافية ورخاء أو في موقف شدة؟ في موقف الشدة ينصرفون وفي الرخاء يقبلون كما حصل في المنافقين في المدينة، في مكة كان أشد فلا يأتي إلا القلّة، إذن في مواقف الشدة الناس يعزفون إلا إذا كان عندهم دافع قوي وإيمان قوي وإذا كان في موقف رخاء قد يدخلون. كم واحد (من)؟ (من) تحتمل المفرد والاثنين والجمع، أما (الذين) فلا تحتمل إلا الجمع ولا تحتمل الواحد أو الاثنين ففي موقف الشدة استعمل (من) لذا قال (فنجيناه ومن معه) لأن (من) قد تحتمل الواحد وهي أقل من (الذين).

آية (74):

*ما اللمسات البيانية في الآيات (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) الأعراف) (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) يونس)؟(د.فاضل السامرائى)

نقرأ الآيتين في الأعراف (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) الأعراف) وفي يونس (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)) هناك قال (بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ) وفي يونس (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ) واختلفت خاتمة الآيتين. أصل التركيب اللغوي خارج القرآن محتمل أن يقال كذب به أو كذبه واللغة تحتمل لكن ما سبب الاختلاف؟ لاحظنا أن الإطلاق هو سياق الآيات في الأعراف والتخصيصي سياق الآيات في يونس. قبل آية الأعراف قال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (96)) لماذا كذبوا؟ لم يذكر فأطلق التكذيب كما أطلقه في الآية التي بعدها. في يونس قال قبل الآية في الموطنين قال (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)) هنا حدد التكذيب بالآيات، إذن السياق في الأعراف هو إطلاق وفي يونس تخصيص هذا واضح. نأتي الآن بعد كل الآيتين قال في الأعراف (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)) وفي يونس قال (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75)) زاد هارون كما زاد (به) هناك لم يذكر هارون فلم يذكر به، هذه مناسبة أخرى لاحظ تخصيص السياق قبلها وبعدها. نلاحظ أمراً آخر قال في الأعراف (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) الأعراف) وفي يونس قال (كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) يونس) المعتدي قال (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ) يعني هم كفروا واعتدوا وهناك كفروا، أيُّ الأعمّ كفروا واعتدوا أو كفروا؟ كفروا أكثر لأن كفروا جزء من أولئك إذن الأعم والأكثر كفروا فلما قال كافرين وهو الأعم عمم وقال (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ (101) الأعراف) لم يذكر بماذا كذبوا، ناسب العموم. الآخرون كذبوا ورغم الكفر اعتدوا إذن صاروا أخص قسم من أولئك ليس كلهم كفروا واعتدوا، لم يعطف (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) يونس) وهناك (كفروا واعتدوا) هم أنفسهم كفروا واعتدوا وأولئك كفروا أي الأكثر؟ كفروا، أي الأشكل والأعم؟ كفروا، إذن اعتدوا أخص فلما قال (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ) خصص (به) جاء بالتخصيص لما أطلق التكذيب به أو بغيره (بِمَا كَذَّبُواْ) قال (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) الأعراف) وهي أعمّ فناسب الكافرين (بِمَا كَذَّبُواْ) وناسب المعتدين (بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ)، فإذن من كل ناحية السياق وخاتمة الآية.

آية (75):

*ما الفرق بين الآيتين (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) الأعراف) (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) يونس)؟(د.فاضل السامرائى)

نقرأ الآيتين الأولى (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) الأعراف) والثانية (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) يونس). ما هو الاختلاف؟ لاحظ في آية الأعراف قدّم (بِآَيَاتِنَا) قال (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) قدّم (بِآَيَاتِنَا) على قوله (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)، في يونس قال (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا) قدّم (إلى فرعون وملئه) على (بِآَيَاتِنَا) هذا هو الإشكال. هذا الإشكال في التقديم والتأخير هنا تقديم الآيات على فرعون ملئه وهناك تأخير الآيات على فرعون وملئه. طبعاً التقديم والتأخير معلوم أنه بحسب الأهمية في السياق وليس الأهمية للذات وإنما في السياق. نحن نعرف قد يقدم المفضول على الفاضل كما ذكرنا سابقاً يقدم ما هو الأفضل أو ما هو المفضول. ابتداء لو طالب في البلاغة يقول أيّ الأهم من دون السياق حسب القاعدة التي يعرفها أنه يقدم الأهم نسأله أيّ الأهم في الأعراف؟ سيقول (بآياتنا) وأيّ الأهم في يونس؟ يقول (إلى فرعون وملئه)، إذن هذا حكم. هل هذا ينطبق على السياق؟ الحكم العام واضح تقديم ما هو أهم، هنا قدّم الآيات وهنا أخّرها. نلاحظ في آية الأعراف ذكر الآيات أمام فرعون وملئه يعني ماذا فعل قال (قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)) ثم ذكر إلقاء العصى أمام السحرة (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117))، في يونس لم يذكر أنه ألقى العصى قال (فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76)) ولم يذكر تفصيلاً لما حدث. حتى أمام السحرة هناك ذكر (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)) أما في يونس فلم يقل وإنما قال (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)) إذن لم يذكر آيات ولم يفصلها أما في الأعراف ذكر الآيات أمام فرعون وأمام السحرة فأيّ الأهم؟ عندما يذكر الآيات قدّمها في الأعراف بينما في يونس أخّرها لأنه لم يذكرها حتى تلاءم السياق العام هذا قانون البلاغة فناسبت ما واحدة، لا يقال الكلام تغير أو الأسلوب اختلف، هذا كلام عام لكن ضعها في سياقها يتضح الأمر. في الأعراف ذكر الآيات أمام فرعون والسحرة بينما في يونس لم يذكر الآيات.

سؤال: عندما نزل القرآن عندما تحداهم الله تعالى هل كان المقصود أن يُعمِلوا عقلهم في فهم النص القرآني ويأتوا بمثله؟ وهل مطلوب منا أن نُعمِل عقولنا ونفهم الآيات والتراكيب أو أن نفهم نظم القرآن؟

كل واحد بحسب طاقته وبحسب ما يريد أن يفهم هو، نحن لسنا مكلفين إلا بالأوامر والنواهي ولسنا مكلفين بما وراء ذلك. (أفلا يتدبرون القرآن) كل واحد بما أوتي فالعامي يكتفي بالتدبر العام ولكن إذا واحد رصد نفسه لهذا الأمر فعليه أن يُحكِم الآية إذا كان الغرض من ذلك أن يفهم الأمر من هذا الجانب فعليه أن يُحكم الآية. ثم أعتقد أن هذا من باب فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين حتى تقوم الحجة على الآخرين وفي اعتقادي وأنا لست فقيهاً أنه لا بد أن يكون هنالك جماعة يتفقهون في هذا الأمر حتى إذا أثيرت شبهة أو أثير كلاماً يردوا إذن هذا فرض كفاية وهكذا يبدو لي والله أعلم.

سؤال: ما ثبت أنا أياً من رؤوس وصناديد الكفر اعترض على آية من آيات القرآن؟

بالعكس كانوا يؤخذون به ويأتون في الليل ليستمعوا له.

*ما الفرق بين البعث والإرسال ؟(د.فاضل السامرائى)

بعث فيه معنى الإرسال تقول بعثت شخصاً فيه معنى الإرسال لكن في بعث أيضاً معاني غير الإرسال. الإرسال أن ترسل رسولاً تحمّله رسالة لطرف آخر. البعث قد يكون فيه إرسال وفيه معاني أخرى غير الإرسال أي فيه إرسال وزيادة. تبعث بارِك أي الجمل، تبعث الموتى ليس بمعنى إرسال ولكن يقيمهم، فيه إثارة وإقامتهم (إن للفتنة بعثات) أي إثارات، فيها تهييج. (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا (247) البقرة) أي أقامه منكم. ولذلك عموماً أن البعث يستعمل فيما هو أشد. نضرب مثالاً: (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) الشعراء) و (قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (111) الأعراف) والقصة قصة موسى في الحالتين: الملأ يقولون لفرعون وابعث في المدائن وأرسل في المدائن. ننظر لتكملة كل آي من الآيتين (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) الشعراء) صيغة مبالغة والثانية (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) الأعراف) ليس فيها مبالغة ساحر ليس فيها مبالغة بينما سحار فيها مبالغة لأنه في الشعراء المحاجة أشد مما كانت في الأعراف. لو قرأنا قصة موسى وفرعون في الشعراء المواجهة أشد من الأعراف وفرعون كان غاضباً فقالوا وابعث في المدائن أنت أرسل وأقم من المدينة من يهيّج عليه أيضاً هذا معنى (ابعث) هذا البعث، أن تبعث أي تهيّج، تقيم لذا قال بعدها (بكل سحار عليم) ولما قال أرسل قال (بكل ساحر عليم). مثال آخر (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (75) يونس) (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) المؤمنون) نفس الدلالة لكن هذه في يونس والأخرى في المؤمنون. لو قرأنا ماذا في يونس وفي المؤمنون نجد في يونس كانت محاجة شديدة بين موسى وفرعون وإيذاء لبني إسرائيل (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)) ثم قال موسى (قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77)) ثم موسى دعا على فرعون (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88)) هذا كله في يونس دعا عليهم. أما في المؤمنون فهي عبارة عن آيتين فقط (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)) انتهت القصة في المؤمنون بينما في يونس كلام طويل وفيه قوة ودعاء عليهم فقال بعثنا وفي المؤمنون قال أرسلنا. حتى لما يتكلم عن الرسول r (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) الجمعة) (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) التوبة) لم يذكر شيئاً آخر الله تعالى يظهر على الدين كله، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) الفتح) انتهت، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) الصف) أما (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) الجمعة) فيها عمل للرسول r. فالبعث هو أشد وفيه حركة أما الإرسال فلا، فالبعث هو الإرسال وزيادة ولهذا قال تعالى (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (5) الإسراء)) فيه قوة وقسوة وعمل.

آية (77):

*هل يُضمر القول في القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائى)

أحوال القول والمقول يمكن أن نجمل أهم أحكامها في عبارات صغيرة.

الكثير أن يذكر القول والمقول هو الأصل (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ (30) مريم) القول هو الفعل و(إني عبد الله) هو المقول.

يمكن أن يحذف فعل القول ويذكر المقول لا يقول قال أو يقول لكنه مفهوم وهذا كثير أيضاً مثال(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة) هذا مقول القول وحذف الفعل وأبقى المقول.

أحياناً يذكر فعل القول لكن يحذف المقول ولكنه ظاهر في السياق عكس الحالة السابقة مثل (قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) يونس) ما هو القول؟ هم لم يقولوا أسحر هذا ولا يفلح الساحرون وإنما هم قالوا هذا سحر، قول (أسحر هذا) هذا قول موسى وأضمر مقولهم هم وهو مفهوم من السياق.

وهنالك حالة أخرى أن يذكر مقولان لقائلين مختلفين ويحذف فعل القول منهما الإثنين ويتصلان كأنهما مقولان لقول واحد لكن المعنى واضح يجري عليه السياق مثل (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) النحل) هم قالوا (ما كنا نعمل من سوء) والرد (بلى إن الله عليم بما كنتم تعلمون) هذا ليس قائلاً واحداً وإنما هذا قائل آخر وحذف فعل القول لم يقل قالوا ما كنا نعمل من سوء ولم يقل قال بلى مفهوم من السياق فحذف فعل القول من الاثنين وأدمج المقولين لكنه مفهوم من السياق.

وهنالك حالة أخرى أن يذكر فعل القول ومقوله ويدرج معه قول لقائل آخر فيبدو كأنهما مقولان لشخص واحد لكن في الحقيقة لا، مثل (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) يوسف)، ويوسف قال (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)) هذا كلام يوسف، هي رمته بالخيانة (قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25))، (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)) سيدنا يوسف يتحدث عن العزيز أنه لم يخن العزيز بالغيب، (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) هذا كلام يوسف أيضاً (ذلك) أي الكلام الذي قالته امرأة العزيز، كلامها هي (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) يوسف) وانتهى كلامها، ويوسف قال (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)). في قوله تعالى (يوسف أعرض عن هذا ()) يكلم شخصين لكن القائل واحد.

هنالك حالة أخرى أن يذكر فعل القول لكن لا يذكر المقول وإنما يذكر فحواه (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ (31) إبراهيم) قل هذا فعل القول والمقول لم يذكره وإنما ذكر الفحوى يقيموا الصلاة هذا فحوى قوله تعالى وليس هو القول لم يقل أقيموا الصلاة، (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (53) الإسراء) هذا ليس هو نص القول وإنما فحواه. فهذه أبرز أحوال القول في القرآن الكريم. ولكل حالة من هذه الحالات دلالتها وسياقها الذي تروى فيه.

آية (79):

*ما الفرق بين عالم وعليم؟(د.فاضل السامرائى)

كلمة عالِم في القرآن لم ترد إلا في عالم الغيب مفرداً أو الغيب والشهادة، إما الغيب وإما الغيب والشهادة في القرآن كله لم ترد كلمة عالِم في 14 موضعاً لم ترد بمعنى آخر. مقترنة بالغيب (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن) أو بالغيب والشهادة (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) الأنعام) أو لم تقترن (عالِم) إسم فاعل لا يدل على الكثير عادة فاستعملها بالمفرد الذي لا يدل على التكثير. (عليم) خصصها للغيوب (وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78) التوبة) لا تجد كلمة علام في القرآن في غير علام الغيوب ولم ترد إلا مع الغيوب جمع الغيب مجموعة، العلاّم كثرة والغيوب كثرة مثل سمّاع وسميع في القرآن: سمّاع استعملها في الذمّ (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ (41) المائدة) (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (47) التوبة) وسميع إستعملها تعالى لنفسه (وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) واستعملها في الثناء على الإنسان (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) الإنسان) وسماع لم يستعملها إلا في الذم. إذن القرآن يخصص في الاستعمال. عليم مطلقة ويستعملها في كل المعلومات على سبيل الإطلاق (بكل شيء عليم) يستعملها إما للإطلاق على الكثير أو يطلقها بدون تقييد (واسع عليم) أو يستعملها مع الجمع أو فعل الجمع. مثلاً لما يقول (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) يونس) هذه مطلقة (كل) تدل على العموم، (بكل شيء عليم) هذا إطلاق، أو على العموم. قلنا إذن يستعملها مطلقة (إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، أو عامة (بكل شيء عليم) أو مع الجمع أو مع فعل الجمع. مع الجمع (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ) جمع، (فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) جمع، (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) جمع، (إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) جمع. إما أن تستعمل عامة مع لكل الخلق، كل شيء أو مطلقة (واسع عليم) (سميع عليم) ليست مقيدة بشيء أو بالجمع (المتقين، المفسدين، الظالمين، بذات الصدور) أو بفعل الجمع (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة) لم يقل وما تفعل من خير، (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) يوسف) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) النور) للجمع أو فعل الجمع. إذن كلمة عليم لم تحدد بشيء معين إما للعموم أو كونها مطلقة من كل شيء أو مع الجمع أو مع فعل الجمع لم يأت مع متعلق مفرد مطلقاً في القرآن لا تجد عليم بفلان أو بفعل فلان. علاّم محددة، عالِم محددة، عليم هذه استعمالاتها. إذا أراد أحدهم أن يدرس هذه الاستعمالات تدرس في باب تخصيص الألفاظ القرآنية، هذه ظاهرة في القرآن وقد نأخذ عليها عدة حلقات لاحقاً.

آية (87)-(89):

*ما دلالة إستعمال الجمع في قوله تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) يونس) مع أن الخطاب للمثنى؟(د.حسام النعيمى)

(تَبَوَّءآَ) الكلام مع موسى وهارون بالمثنّى لكن لما أراد من جمهور بني إسرائيل أن يجعلوا هذه البيوت قِبلة إستعمل الجمع فقال (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي تجمعوا في هذه البيوت لتكن بيوتكم أماكن إجتماع فجاء الجمع وهو ليس لموسى وهارون هنا وإنما لعموم بني إسرائيل.

* ما دلالة التحول من المثنى إلى الجمع في الآية (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) يونس)؟ بينما في الآية (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89) يونس) كلها مثنى؟(د.حسام النعيمى)

الآية الكريمة (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89)). تبوءا مثنى ثم قال واجعلوا صار جمعاً و بعد ذلك تكلم بالمفرد (وبشّر) إذن لدينا مثنى، جمع ومفرد فلا بد من الوقوف عند كل جزئية من هذه الجزئيات.

أولاً بنو إسرائيل هؤلاء لا شك أنهم كانوا يسكنون في بيوت، كانوا في مصر وموسى U جاء وطلب من فرعون قال (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) الشعراء) بنو إسرائيل ما كانوا يعيشون في الهواء، كان عندهم بيوت. كانوا في مصر معذّبين وأم موسى كانت في مصر وهي التي ألقت بولدها في اليم، إذن هم عندهم بيوت فلما يقول (تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً) معنى ذلك تبوءا بيوتاً جديدة. هذه البيوت الجديدة هي بيوت مهيّأة للسفر لأنه كان يريد أن يُخرِج قومه من مصر فلا يُتصور أن يطلب إليهم أن يبنوا بيوتاً جديدة بالطابوق وبالآجُر. معنى ذلك أنهم كأنما خطوا خطوة في طريق الهجرة، هذه الخطوة التي طُلِب من موسى وأخيه طبعاً لما كان الكلام في تمشية شؤون الأمة ممكن أن يوحى إلى هارون كما أوحي إلى موسى لأن هذه القضية تتعلق بعمل وإجراءات تخص الناس فيمكن أن يوحى للرسول ومؤازره فلذلك قال (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ).

(تبوءا): التبوء هو الإتخاذ، إتخذا البيت وقالوا البيت مباءة للإنسان لأن أصل باء بمعنى رجع وكأنما الإنسان لما يخرج من بيته يرجع إليه دائماً يعني يبوء إلى داره، باء بمعنى رجع إلى مكانه وأحياناً تكون رجع عامة (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) الأنفال) رجع من عمله بغضب من الله سبحانه وتعالى، (إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) المائدة) ترجع من هذا العمل حاملاً إثمي. (تبوءا لقومكما بيوتاً) إذن هي بيوت جديدة ممكن أن تكون خيماً أو بيوتاً مما يسمى الخصّ. البيت هو ما يبيت فيه الإنسان، البناء الذي يبيت فيه الإنسان الذي هو الحجرة. البيت في الأصل، الإنسان قديماً ما كان يبني غرفاً كثيرة وإنما يبني غرفة طويلة ويغتسل فيها وينام فيها ويستقبل الضيوف فيها، الرسول  كان لديه بيوت أمهات المؤمنين أي كل واحدة لها حجرتها. والطابق العلوي يسمى غرفة، (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) وبيت عائشة رضي الله عنها معروف إلى اليوم الذي فيه قبر الرسول  وقبر صاحبيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. والكعبة أطلق عليها بيت لأنها مثل الحجرة، تجويف واحد، بناء واحد.

هذا هو البيت، كل منهم يبني بيت مؤقت لأسرته، هذه البيوت كأنما طُلِب إليهم أن يجعلوا إتجاهها أي إتجاه الفتحة فيها بإتجاه القبلة، (واجعلوا بيوتكم) الآن الكلام مع موسى وهارون، الآن التفت إلى بني إسرائيل وموسى وهارون أي أنتم جميعاً يا بني إسرائيل إجعلوا بيوتكم قبلة. وقف العلماء عند كلمة قبلة هنا ما المراد بها:  قسم قالوا بعضها مقابل بعض، وقسم قال: إجعلوا بيوتكم التي كانت في الشام قِبلة صلّوا إليها، قسم قال: مساجد، صلّوا فيها، صلوا في هذه المساجد. العرب تسمي التوجه إلى الكعبة قِبلة، إلى الآن في العامية المصرية يقولون: هذا قِبلي أو بحري، قِبلي أي بإتجاه الكعبة. هل كانت قبلة موسى U الكعبة؟ الجواب نعم. قبلة إبراهيم U ومن وراءَه وقِبلة موسى U كانت الكعبة لكن يبدو أنه بعد ذلك في بعض أنبياء بني إسرائيل حدث نسخ وتحولوا إلى بيت المقدس، غالباً لأنها صارت موطناً للأصنام فما عاد يُتّجه إليها لأنها كانت موضع أصنام، أو لسبب آخر، المهم أن إبراهيم U لما رفع القواعد من البيت إتجه إلى الكعبة وذريته تتجه إلى الكعبة وهي القِبلة الحقيقية لعباد الله الصالحين وكان التحول عنها لغرض معين في أول الإسلام ثم عادوا إلى القِبلة.

(وأقيموا الصلاة) يستدل العلماء منها باتجاه المعنى أنه إجعلوا بيوتكم متجهة إلى الكعبة وصلّوا.

والآن إلتفت إلتفاتاً آخر (وبشر المؤمنين) أن البشارة إنما تكون من الرسول لأن يكون لها وقع أعظم من أن تكون من هارون أو منهما ، فنجد أنه مرة ثنّى للإشتغال بشؤون الناس ومرة جمع لأن الأمر عام ورجع فأفرد لأن البشارة من الرسول تكون أوقع وأعلى منزلة بخلاف لو جاءت البشارة من شخص معه. هارون كان نبياً لأن الرسول هو صاحب الرسالة، النبي يكون مع الرسول أو بعد الرسول يبلّغ رسالة الرسول ويبشر برسالة النبي فإذن كل رسول هو نبي ولكن ليس كل نبي رسول.

فائدة الإلتفات في اللغة من ضمير إلى ضمير: هذا التلوين في العبارة مع الإرتباط في المعنى لأنه وجدنا المعنى مترابطاً، مرة كلّم الإثنين ثم كان لا بد أن يكلّم الجميع (واجعلوا بيوتكم) ولا يمكن أن يقول: فاجعلا بيوتكما معناه بيت موسى وهارون سيكونان قبلتين وليس هذا المراد وإنما المراد جميع البيوت تتجه بإتجاه القِبلة لأسباب لأن بعض العلماء يقولون لو نظرنا إلى المكان لأن (بمصر) فيها كلام، ما المراد بمصر؟ ما دامت مُنِعت من الصرف فهي مصر المعلومة الحالية لكن ليست بالحدود الحالية. قالوا المراد بمصر بعضهم قال الإسكندرية لأنها كانت قديمة والبعض قال المراد الجيزة بدليل الأهرام، كانوا هناك ويبدو أن الراجح - والله أعلم - أنها ممفيس التي هي في الجنوب أو طيبة. لماذا يرجحه بعض المؤرخين؟ قالوا لأنه هذه المنطقة هي المنطقة التي كان فيها الفرعون الذي عُثِر على جثمانه واكتُشِف أنه مات غرقاً (فرعون موسى) كان من الأسرة التاسعة عشرة الفرعونية وهذا الوقت كان هو وقت موسى U فيرجح بعض المؤرخين أن تكون هذه الإجراءات والعملية كانت في ممفيس وأن بني إسرائيل مشوا مع البحر الأحمر، ما مشوا مع نهر النيل، ساروا مع البحر الأحمر بانتظار أن يصلوا إلى منطقة قناة السويس الحالية ويحاولون العبور هناك، يبدو في تلك المنطقة هناك أدركهم فرعون ولو ساروا بالطريق المعهود مع نهر النيل كانوا حوصروا مبكراً لكن إتخذوا لأنفسهم مكاناً بعيداً عن الطريق مع ساحل البحر الأحمر إلى أن وصلوا إلى هذه المنطقة الضيقة التي يعبر منها باتجاه سيناء ومن هناك إتخذوا البر بعد ذلك.

* لماذا أثبت النون في تتبعانّ في الآية (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89) يونس)؟ (د.حسام النعيمى)

قبل هذه الآية، ننظر ماذا دعا موسى U، لما كان موسى يدعو، صحيح غير مذكور دعاءه، هارون كان يؤمّن معناه أن المؤمّن داعي لما يقول آمين إذن هو يدعو. قال موسى U (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) هذه اللام يسمونها لام العاقبة، هو لم يعطهم هذه لكي يضلوا عن سبيله كما قال تعالى (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) القصص) هم ما التقطوه لكي يكون عدواً لهم يعني من أجل أن يكون، وإنما عاقبة هذا الإلتقاط كانت كذا، هذه لام العاقبة، لام النتيجة. المعنى هو الذي يبينها. وهنا هذه اللام لام العاقبة يعني إنك آتيت فرعون وملأه الزينة والأموال،وكانت نتيجة ذلك أنهم استعملوها للإضلال، لا أنت أعطيتهم من أجل أن يقوموا بالإضلال. (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) وازن بين الدعوتين! (واشدد على قلوبهم) كأنه إربط على قلوبهم أو كما يقولون شد عليه فقتله. (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) لا يريدهم أن يؤمنوا، عذِّبهم أولاً ثم لا بأس أن يؤمنوا. فقال تعالى (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا) لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمِّن.

(وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) في غير القرآن مفروض أن تكون بدون النون لأن (لا) ناهية (ولا تتبعا). لكن لما نجد القُرّاء يُجمِعن باستثناء بالنون المشددة رواية واحدة (ولا تتبعانّ) وهي نون التوكيد الثقيلة المفروض أن تكون مفتوحة (ليسجنن)، أما النون الخفيفة فتكون ساكنة (وليكونا)، لكن ليس في العرب من يفتح نون التوكيد مع ألف المثنّى، العرب جميعاً يكسرون نون التوكيد مع المثنى "هل تذهبانِّ إلى الموضع الفلاني يا أخويّ؟" يكسرها قالوا لمناسبة الألف لأن نون المثنى بعد الألف تكون مكسورة دائماً مثل: أنتما تكتبانِ، تذهبانِ، تلعبانِ فحوفِظ على الكسرة وغيرت الفتحة في لغة العرب جميعاً، فإذن هذه نون التوكيد وليست نون الرفع.

(تتبع) فعل مجزوم بـ (لا): عندنا قولان للعلماء قول يرى أن نون التوكيد إذا جاءت مع الفعل المضارع يكون مبنياً على كل حال فيقول (تتبعانِّ) هذا مبني وتكون النون محذوفة لتوالي الأمثال (نون الرفع) مبني فلا مكان لها تُحذف، مبني على حذف النون، تحذف النون أو لتوالي الأمثال. ورأي آخر الذي هو الشائع أن الفعل المضارع يكون مبنياً إذا إتصلت به نون التوكيد مباشرة وفي الألفية:

وأعرب مضارعاً إن عريا    من نون توكيد مباشر

يعني إذا فصل بين نون التوكيد وبين المضارع ألف الإثنين أو ياء المخاطبة أو واو الجماعة حتى ولو تقديراً لأننا نقول: هل تكتبنّ دروسكم؟ (عندنا واو محذوفة)، هل تكتبنّ يا هندُ؟ (عندنا ياء محذوفة)، هل تكتبانّ ؟ (عندنا ألف محذوفة) فإذن أُعرب المضارع لأنه فصل بينه وبين نون التوكيد. مع ذلك نون الرفع غير موجودة إما نقول لأنه جُزِم  بعد لا الناهية جازمة حذفت النون علامة جزمه أو لتوالي الأمثال، لما جاءت (لا) ما وجدت ما تحذف إذن هذه نون التوكيد وليست نون الرفع.

آية (90):

*ما الفرق من الناحية البيانية بين قصة غرق فرعون في آيات سورة يونس وطه؟(د.فاضل السامرائى)

قال تعالى في سورة يونس (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {90}) وقال في سورة طه (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى {77} فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ {78}). إذا لاحظنا الآيات في السورتين نرى ما يلي:

1.      استخدام واو العطف في قوله (فرعون وجنوده) وهذا نص بالعطف فرعون أتبع موسى وهو معه وهذا تعبير قطعي أن فرعون خرج مع جنوده وأتبع موسى. أما في سورة طه استخدم الباء في قوله (فأتبعهم فرعون بجنوده) والباء في اللغة تفيد المصاحبة والإستعانة، وفي الآية الباء تحتمل المصاحبة وتحتمل الإستعانة بمعنى أمدهم بجنوده ولا يشترط ذهاب فرعون معهم.

2.      والتعبير في سورة يونس يوحي أن فرعون عازم على البطش والتنكيل هو بنفسه لذا خرج مع جنوده وأراد استئصال موسى بنفسه للتنكيل والبطش به لآن سياق الآيات تفرض هذا التعبير، ذكر استكبار فرعون وملئه (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ {75}) فذكر أنهم مستكبرون ومجرمون وذكر أنه ما آمن لموسى إلا قليل من قومه على خوف من فرعون وملئه وذكر أيضاً أن فرعون عال في الأرض ومسرف كما ذكر أنه يفتن قومه ومآل الأمر في سورة يونس أن موسى u دعا على فرعون وقومه (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) فذكر بغياً وعدواً مناسب لسياق الآيات التي ذكرت عذاب فرعون وتنكيله بموسى وقومه. ولم يذكر في سورة طه أن فرعون آذى موسى وقومه ولم يتعرض لهذا الأمر مطلقاً في سورة طه لذا فالسياق هنا مختلف لذا اختلف التعبير ولم يذكر _بغياً وعدوا) ليناسب سياق الآيات في التعبير.

3.      بعد أن ضاق قوم موسى ذرعاً بفرعون وبطشه تدخل الله تعالى فتولّى أمر النجاة بنفسه فقال تعالى (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {90}) وكان الغرق لفرعون وإيمان فرعون عند الهلاك هو استجابة لدعوة موسى r  (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)، أما في سورة طه فقد جاء الأمر وحياً من الله تعالى لموسى r ولن يتولى تعالى أمر النجاة بنفسه وإنما خاطب موسى بوله (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى) ثم قال تعالى (فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) ذكر غرق قوم فرعون.

كل هذه الإختلافات بين المشهدين في القصة هو ما يقتضيه سياق الآيات في كل سورة.

*ما دلالة تأنيث (بنو إسرائيل) فى الآية؟(د.فاضل السامرائى)

في سؤال سابق عن جاءهم البيانت وجاءتهم البينات أجبت أن هناك جمع تكسير؟ قلنا أن الملائكة جمع تكسير. جمع المؤنث السالم إذا كان المؤنث حقيقياً أي له ذكر من جنسه مثل بنات فإذا كان متصلاً بالفعل يؤنّث وإذا انفصل يجوز التذكير والتأنيث. المؤنث غير الحقيقي يجوز الوجهان. إذا كان مؤنثاً حقيقياً أي ما له مذكّر من جنسه مثل (بنات، طالبات) المؤنث المجازي مثل شجرات، بيّنات. بيّنات مؤنث مجازي فيجوز في فعله التذكير والتأنيث. نسوة ليست جمع مؤنث سالم هذا جمع تكسير، نسوة أصلاً هو إسم جمع (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ (30) يوسف). لو كان مؤنث حقيقي نقول جاءت الطالبات فإذا جاء أي فصل يجوز التذكير والتأنيث (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ (10) الممتحنة) جاء فصل بالضمير (كم) وقسم من النحاة يذهب إلى أن كل الجموع يجوز تذكيرها وتأنيثها بدليل قوله تعالى (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) يونس) ويقول الشاعر: إن قومي وتجمعوا وبقتلي تحدثوا    لا أبالي بجمعهم كل جمعٍ مؤنث

*ما الفرق بين (إذا) و(إذ)؟(د.فاضل السامرائى)

إذ ظرف للماضي في الغالب ولا يعدونها من أدوات الشرط، إذما من أدوات الشرط (وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ (86) الأعراف) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ (9) الأحزاب) النحاة يقولون إذ للماضي وإذا للمستقبل ونحن نقول (إذ) في الغالب للماضي وإذ ليست شرطية. (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب لجوابه مبني على السكون. (إذ) إسم، ظرف زمان للماضي في الغالب لأنه في القرآن (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ (71) غافر) وهذه للمستقبل (سوف) في جهنم يسحبون في الحميم وإن كان له تأويل آخر أنه مستقبل منزَّل منزلة الماضي لكني أعتقد أنها في الغالب للماضي كما أن (إذا) في الغالب للمستقبل وقد تكون في الماضي كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ (90) يونس) هو أدركه الغرق بالفعل. (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ (86) الكهف) حتى في آية الجمعة (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا (11) الجمعة) هذه الآية نزلت بعد ما وقع الأمر. النحاة لا يقولون غالباً ولكنهم يقولون أن أدوات الشرط كلها في الاستقبال.

*ما اللمسة البيانية في ورود لفظة اليم 8 مرات في قصة موسى  ووردت لفظة البحر 8 مرات في القصة نفسها ووردت لفظة البحرين مرة واحدة؟(د.فاضل السامرائى)

مسألة البحر واليم ذُكِرت أكثر من مرة في هذا البرنامج وقلنا أن القرآن الكريم يستعمل اليم والبحر في موقفين متشابهين كما في قصة موسى  مرة يستعمل اليم ومرة يستعمل البحر في القصة نفسها (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ (63) الشعراء) (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (40) القصص) اليمّ كما يقول أهل اللغة المحدثون أنها عبرانية وسريانية وأكادية وهي في العبرانية (يمّا) وفي الأكادية (يمو) اليمّ وردت كلها في قصة موسى ولم ترد في موطن آخر ومن التناسب اللطيف أن ترد في قصة العبرانيين وهي كلمة عبرانية. كلمة البحر وردت عامة (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ (50) البقرة) (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ (14) النحل) عامة لكن من الملاحظ أن القرآن لم يستعمل اليم إلا في مقام الخوف والعقوبة أما البحر فعامة ولم يستعمل اليم في مقام النجاة، البحر قد يستعمله في مقام النجاة أو العقوبة. قال تعالى (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) القصص) (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ (39) طه) هذا خوف، (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (136) الأعراف) هذه عقوبة، (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) طه) (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (40) القصص) عقوبة، أما البحر فعامة استعملها في النِعم لبني إسرائيل وغيرهم (أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (63) النمل) (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ (67) الإسراء) في نجاة بني إسرائيل استعمل البحر ولم يستعمل اليم. استعمل اليم في العقوبة واستعمل البحر في النجاة والإغراق (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ (50) البقرة) استعملها في الإغراق والإنجاء (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) أي أنجيناهم، (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) طه) (فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ (78) طه) لم يقل البحر، (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ (63) الشعراء). إذن يستعمل اليم في مقام الخوف والعقوبة فقط ويستعمل البحر عامة في بني إسرائيل وغيرهم. اليم يستعمل للماء الكثير وإن كان نهراً كبيراً واسعاً. يستعمل اليم للنهر الكبير المتسع ويستعمل للبحر أيضاً. اللغة تفرق بين البحر والنهر واليم: النهر أصغر من البحر والقرآن أطلق اليم على الماء الكثير ويشتق من اليم ما لم يشتقه من البحر (ميموم) أي غريق لذلك تناسب الغرق. العرب لا تجمع كلمة يم فهي مفردة وقالوا لم يسمع لها جمع ولا يقاس لها جمع وإنما جمعت كلمة بحر (أبحر وبحار) وهذا من خصوصية القرآن في الاستعمال. كونها خاصة بالخوف والعقوبة هذا من خصوصية الاستعمال في القرآن.

آية (92):

*ما دلالة كلمة (خلفك) في الآية (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)) في سورة يونس ؟(د.فاضل السامرائى)

بعد نقيضة قبل وأظهر استعمال لها في الزمان. أما خلف فهي نقيضة قُدّام وهي في الغالب للمكان هذا من حيث اللغة. والخلف في اللغة هوالظهر أيضاً.

أحياناً لا يصح وضع إحداهما مكان الأخرى فلا يمكننا أن نضع خلف مكان بعد لأن كلها متعلقة بالزمان مثل فى قوله تعالى(ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) البقرة) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (230) البقرة) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران).

 أما خلف فهي في الأصل للمكان، (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) يس) (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء) أي يلونهم مباشرة كأنهم واقفين خلفهم وكذلك قوله تعالى (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)) الآية موضع السؤال، من هم خلفه؟ هم قومه الذين ينتظرون عودة فرعون وماذا سيفعل فهم خلفه. ذهب موسى بالجيش والشعب والملأ خلفه فالمعنى أصلاً لمن خلفك الذين ينتظرون العودة فالآية لهم حقيقة لأن فيها تحدّي ومسألة إيمان لكنها صارت لنا فيما بعد آية.

* يقول تعالى (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) النبأ) والله تعالى يصف فرعون (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الفجر) وعلماء الآثار يقولون أن الذي هلك في اليم هو فرعون والذي بنى الأهرام فرعون آخر فهل الأوتاد هي الأهرام أم لها معنى آخر؟(د.حسام النعيمى)

الدراسات الآثارية أو الأثرية أثبتت أن أحد الفراعنة أو المومياءات الموجودة الآن في مصر اكتشفت أنه مات غرقاً من تحليل بعض الأجزاء من جسمه ثبت عندهم أن هذا الفرعون ميّت وهو غريق فهذا تثبيت للحقيقية التي ذكرها القرآن الكريم (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) يونس) نجّاه الله سبحانه وتعالى ببدنه ميّتاً فأخذه قومه وحنّطوه ودفنوه بطريقتهم واستُخرِج وهو الآن في متحف في مصر. هذا ليس هو الذي بنى الأهرامات وإنما بناها غيره. هذا الذي غرق هو فرعون موسى. والفرعون لقب لحُكّام مصر في زمن من الأزمان وليس إسماً لشخص معين وإنما هو لقب للحاكم، مثل كسرى وقيصر والخليفة.

ما قال أحد أن الأوتاد هي الأهرامات بقدر إطلاعي. في كلام المفسرين (والجبال أوتاداً) لأن الوتِد (وتِد أفصح من وتَد) جزء منه في داخل الأرض أولاً ثم يكون مثبّتاً للخيمة. هذه الأسباب التي هي الجبال المشدودة بالخيمة تربط بالوتد فتكون خيمة ويكون العمود في وسطها. كيف شبّه الرسول R منزلة الصلاة قال: "الصلاة عمود الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين" لأنه يمكن أن تضع الأوتاد وتربط الأسباب التي هي الحبال لكن لا تضع العمود فلا تكون خيمة وإنما تكون بساطاً مربوطاً من جهات كثيرة فلا تؤويك من برد ولا من حر، فقد يكون الإنسان كريماً حسن التعامل منفقاً وخيّراً هذه مطلوبة لكنه إذا كان لا يصلي فهو من غير عمود فليس عنده بيت. والذي يضع العمود ولا يربط الأوتاد والحبال يصلي مثلاً ولكنه يشتم هذا ويلعن هذا ويعتدي على هذا، هذا ما ربط الأسباب أيضاً لا يكون بيتاً يكون عمود وحوله قماش فهذا لا يؤويك من شيء. فهذا تلازم الصورة في الحديث الشريف من الصور الرائعة.

الجبال في دراسات طبيعة الأرض والعلماء يقولون (العهدة عليهم) أن تضاريس الأرض والجبال فيها هي التي تثبت اليابسة وإلا كانت تبقى زلازل وتطمرها المياه (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) الرعد) وهذا جاء موافقاً لكلام الله سبحانه وتعالى والذين يقولون ليسوا مسلمين كما أن الأوتاد تثبت أركان الخيمة الجبال تثبت اليابسة. (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (9) النبأ) كمهد الطفل ممهدة مجهزة معدّة (والجبال أوتاداً) ثبتناها حتى تبقى ممهدة

آية (99):

*ما دلالة استعمال (كلهم) و(جميعاً) في الآية (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) يونس)؟(د.حسام النعيمى)

الآية هي قول الله سبحانه وتعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) يونس) هي الآية في تسلية الرسول R وفيها بيان لمن يتلو كتاب الله سبحانه وتعالى كيف كان رسول الله R حريصاً على إيمان قومه، حتى في بعض المواقع في القرآن الكريم يقول (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) الشعراء) كأنه: أشفِق على نفسك أن تقتلها. فيه تسلية لقلب الرسول R لشدة حرصه يقول له (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (98) وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) يونس) الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وأرسل الرسل بعث الرسل وأنزل لهم الكتب (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) الإنسان) قال لآدم  (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا (35) البقرة) أثبت لهما المشيئة من أول خلقتهما، (حيث شئتما) أي لهما مشيئة فأنت لا تقتل نفسك، أدِّ واجبك تجاههم. (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) لا يلدُّ منهم أحد، لا يفلت منهم أحد، الكل يؤمن، هذا توكيد لـ (من في الأرض) (كلهم) يعني كل من في الأرض يؤمنوا. ثم جاءت (جيمعاً) لبيان الحال، يعني حال كونهم مجتمعين على الإيمان غير متفرقين عنه. فإذن (كلهم) لبيان التأكيد أنه لا يخرج منهم أحد عن الإيمان، و (جميعاً) بمعنى مجتمعين على مفردات الطاعة لا يخالف منهم أحد. يعني لو شاء الله سبحانه وتعالى لدخل الناس جميعاً في الإيمان بحيث لا يخرج منهم أحد ولظلوا على إيمانهم بحيث لا يزول منهم أحد بإجراء عملٍ مخالف للإيمان. فهم إذن مؤمنون جميعاً مجتمعون على الإيمان. فكل كلمة أدّت غرضاً: كلمة (كلّهم) أدّت التوكيد وكلمة (جميعاً) أدّت الحال. الحال لا تعني أنها منتقلة دائماً، العلماء يقولون قد تكون الحال أحياناً دالة على الثبوت. حالة كونهم مجتمعين في هذه الحال (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) الأنبياء)،(لاعبين) حال لكن لا تستطيع أن تستغني عنها، يقولون الحال فضلة أي خارج العُمدة، هذا مصطلح يعني لا يعني معناه اللغوي أنه فضلة أنه يُرمى. هذا مصطلح قضلة يعني ليس مسنداً وليس مسنداً إليه، كل ما عدا مسند أو مسند إليه اصطلحوا على تسميتها بالفضلات. فالمفعول به قالوا فضلة، كيف نستغني عنه؟ قالوا: (أكرم زيد خالداً) خالداً مفعول به كيف تستغني عن خالداً؟ أكرم زيدٌ، أكرم فعل وزيد فاعل يقولون إذن تمتّ الجملة. ينبغي أن نفهم المصطلح أنه لما يقولون هذا الكلام وكما قلنا في مرة ماضية لما يقولون هذا حرف زائد وهو في كتاب الله لا يعنون أن وجوده كعدمه لكن زائد يعني له تصرف خاص يخالف تصرفه العام في لغة العرب ويكون معناه التوكيد. فإذن (كلهم) للتأكيد و (جميعاً) لبيان الحال، فواحدة مؤكِّدة وواحدة لبيان الحال، والتوكيد وبيان الحال مرادان. لماذا بيان الحال وقد أكد أن من في الأرض آمنوا؟ بيان حالهم أنهم مجتمعين على هذا الإيمان لا يفترقون حوله، قد يكونون مؤمنين لكن يتفرقون في وجهات نظرهم بشأن الإيمان كل له رأيه. فكلمة (جميعاً) أي مجتمعين عليه.

سؤال:

(جميعاً) هل تستخدم توكيد؟ إذا كانت أجمعين أو أجمعون قد تأتي توكيد لكن (جميعاً) حال.

صاحب الحال: نحن لا نفتش عن صاحب الحال وعن العامل في الحال، نقول حال وكفى، أما صاحبها فهو (من).

(من) الأصل فيها أن تكون للعاقل و(ما) الأصل فيها لغير العاقل لكن إذا كان هناك خلط يمكن أن نستعمل (من) و (ما).

آية (107):

* (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) يونس) في الخير قال يردك وفي الشر قال يصبك فما الفرق بينهما؟ وما تفسير الآية؟ وما الحكمة في استعمال (إلا هو) و(لا رادّ لفضله) و (يصيب)؟(د.حسام النعيمى)

هذا السؤال من الأسئلة التي كما قلنا تفرحنا وتشعرنا بهذا التتبع. هذه الآيات تبدأ من قوله تعالى (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) أولاً نلاحظ العلاقة بين هذه الآية  والآية التي قبلها التي فيها نوع من التحذير. هو الكلام يكون خطاباً للرسول R وخطاب للبشر جميعاً أي أيها الإنسان المسلم، أيها الإنسان الذي ينبغي أن تدخل في الإسلام. هذا الإلتزام (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لا تخلط الإيمان بشيء من الشِرك والشِرك كما وصفه الرسول  " أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء" ولذلك علّمنا R أن نقول دائماً: "اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" من الأدعية التي ينبغي أن يرددها المسلم. فلا ينبغي أن يخلط الإنسان. (وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ) قدّم النفع على الضر لأن الإنسان يحرص على نفعه قبل أن يحرص على دفع ما يضره فقدّمه بشكل طبيعي. (فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) كلمة الظالمين تقترب منها (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) والظلم هو أذى وهو ضُر ولذلك تقدمت كلمة الضُرّ هنا لقربها من كلمة الظلم ليكون نوع من التشابه. (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ) هذا معناه أن ما يصيب الإنسان من ضر أو من خير الأصل فيه أنه من الله سبحانه وتعالى فالله سبحانه وتعالى في الأصل هو الضار هو النافع ومردُّ الأمور جميعاً إليه سبحانه وتعالى. لما كان هناك كلام على الضرّ قال (إن يمسسك) هي في الحالين (إن) وهي غير (إذا). (إذا) لتحقق الوقوع أما (إن) فهي للإفتراض والإحتمال. فإذن كِلا الأمرين على الإحتمال إن وقع كذا وإن وقع كذا، قد لا يكون هذا واقعاً لك أن يمسسك ضر وقد لا يكون هذا واقع لك أن يصيبك خير لكن هذا المبدأ العام.

المسّ يكون عادة بالحواس وهو كاللمس لكن الفرق أن اللمس يكون مباشراً بالحواس أما المسّ فقد يكون لمساً بالحواس وقد يستعمل مجازاً للمس بغير الحواس وإنما لمس معنوي.كما يقولون: مسّه طائف من الجن لا يقولون لمسه كأنه نوع من المجاز.

*في الخير قال يردك وفي الشر قال يصبك فما الفرق بينهما؟ وما تفسير الآية؟ وما الحكمة في استعمال (إلا هو) و(لا رادّ لفضله)؟ (د.حسام النعيمى)

 (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو) أي إذا أصابك هذا الضر، ذكر إسم الجلالة وهذا جزء من السؤال لماذا استعمل (إلا هو)؟ لما ذكر فاعل المسّ (إن يمسسك الله) نسبه إلى الله سبحانه وتعالى بظهور الإسم بيّن أنه ما يفعله الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أحد أن يزيله، فإذا أصاب الله تعالى إنساناً بسوء أو ضُرّ هذا الضر لا مجال لأحد أن يكشفه إلا أن يكشفه الله سبحانه وتعالى، فلما نسب الأمر إلى نفسه سبحانه ناسب ذلك أن يحصر الكشف بذاته جلّت قدرته. (وإن يمسسك الله بضر) كشف هذا الضر منحصر بالله سبحانه وتعالى حصراً ولهذا يقول علماؤنا ينبغي أن يستحضر المسلم حينما يمرض – صحيح أن إبراهيم U قال وإذا مرضت فهو يشفين – نسبه إلى نفسه تأدّباً – فالمرض مسّ ضُرّ من الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يعتقد المريض في نفسه أن الذي يشفيه هو الله سبحانه وتعالى لا الطبيب ولا الدواء لكنهما وسيلتان من وسائل الشفاء فالذي ونحن مأمورون بإتخاذ الأسباب في كل حياتنا والله تعالى يفعل بكلمة كُن فيكون. لكن التصور الإسلامي من خلال النظر في حياة الرسول R وفي الآيات أن على المسلم أن يسعى، أشرف خلق الله وأرفعهم قدراً هو محمد R لم يجلس في بيته ثم انتشر الإسلام وإنما تحرّك وأُوذي وضُرِب فلا بد من سبب. حتى في تاريخنا السبب يكون سهلاً ميسراً والله تعالى يفعل بعد ذلك لكن أنت قدِّم السبب. كما قال تعالى في قصة مريم (وهزي إليك بجذع النخلة).وفي حرب مسيلمة الكذاب عندما دخل البستان وأغلقوا الأبواب وحاصره المسلمون وعليهم أن يفتحوا الباب الموصد من الداخل لا بد أن ينزل أحد يفتحه، قام البراء ابن مالك رضي الله عنه فرفعوه لنحافته على التُرس الذي يتترس به المقاتلون رفعوه وسقط على عشرة آلآف وركض إلى الباب وتناولته السهام والسيوف والرماح وهو يركض إلى أن وصل إلى الباب ففتحه ودخل المسلمون ووجدوا في البراء مئات الضربات لكنه ما مات، المهم هو قدّم سبباً فالله سبحانه وتعالى أعانه. فالطبيب والدواء سبب ينبغي أن يقر في قلوبنا أن الله سبحانه وتعالى هو الشافي ولا يجوز أن أجلس في بيتي وأقول الله تعالى يشفيني وفي الحديث الصحيح عنه R أمر "تداووا". إذن لا كاشف للضر إلا هو سبحانه هذا حصر، (لا كاشف له إلا هو) هذا أسلوب حصر حتى يقرّ في عقيدة المسلم أن الذي يرفع الضر هو الله سبحانه وتعالى وليس سواه جلّت قدرته.. ولا نستطيع هنا أن نقول لا كاشف له إلا الله لأنه تقدم ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية. إذا قيل في غير القرآن إذا مسّك ضر فلا كاشف له إلا الله يمكن، لكن لما يتقدم إسم الجلالة لا يكرر لأنه يكون تكراراً غير مستقيم هنا. كأنه لو قلت في غير القرآن: إذا مسك زيد بضُر فلا كاشف له إلا زيد، كأن هناك زيدان ويصبح هناك نوع من الخلل.

 (وإن يردك بخير فلا راد لفضله): هناك قال يمسسك وهنا قال يُردك. المسّ مبتشر وهو جاء منسجماً مع كلمة الظالمين في الآية التي سبقتها، (وإن يردك بخير) أي إذا وجّه الخير إليك فلا رادّ لفضله لأن الردّ يكون للشيء قبل وقوعه أما الكشف فيكون عن الشيء بعد وقوعه فاستعمل كلمة كاشف مع المس لأنه واقع واستعمل كلمة رادّ مع (يردك) لأن يردك بخير لم يقع. واستعمال (إن) للإحتمال ليس للجزم أو القطع، إن كان هذا وإن كان هذا.

والسؤال الذي يرد: أن كلمة المسّ واقعة وكلمة الخير منتظرة (وإن يمسسك الله بضر) قرّبها، هو إحتمال لكن قريب. يُردك أيضاً لكن المسّ فيه شيء ماديّ والإرادة فيها شيء أبعد. كلا الفعلين على أمل الحدوث ليس مجزوماً بحدوثه ولكن هذا لأنه فيه جانب المس على إحتمال الحدوث لكن المسّ أقرب فاستعمل معه كلمة الكشف لأن المس عادة يكون واقع (مسّه أي وقع) فكشفه لكن الإرادة قبل ذلك فاستعمل معها رادّ لذا استعمل هنا كاشف وهنا رادّ.

لماذا قال المس مع الضر ويردك مع الخير(إن يمسسك بضر)؟ الكلام هنا على قدرة الله سبحانه وتعالى ورد الأمر إليه وقبل ذلك كان الكلام على الظلم ولذا تقدم الكلام على الضر وتأخر الكلام على النفع فيه نوع من إشعار المسلم المتلقي بضرورة اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى لأنه موطن تخويف من الإنحراف عن طاعة الله تعالى ةفي موطن التخويف أنت تقدم العقاب. لاحظ الآية السابقة: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) تحذير من الشِرك (وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ) تحذير، (فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ) الغالب على الجو جو تخويف وتحذير. هذا الجو يستدعي أن يبدأ بالعقاب، يبدأ بما يخيف حتى ينسجم بعد ذلك. لاحظ مثلاً قوله تعالى (والعصر إن الإنسان لفي خسر) العربي لما يسمعها يشعر بالخسر ثم يأتيه قوله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فترفعه مرة أخرى كأنه يخرج من بئر. هذا أسلوب القرآن الكريم في التعامل مع القلوب. الجو هنا جو تحذير وتنبيه وتخويف فالذي يناسبه أن يبدأ بالكلام بالمسّ بالضُرّ، أن لا تكون ظالماً ولا تدعو من دون الله ولا تكن من المشركين فإذا مسّك الله تعالى بضر، هذا منسجم مع قوله (فلا كاشف له إلا هو) هذه كلها لا تنفع: الشرك والدعوة من دون الله لا تنفع إذا مُسست بضُر حتى ينسجم الكلام.

ثم تحوّل بعد ذلك إلى (وإن يردك بخير فلا راد لفضله): إستعمال الفضل هنا لم يقل فلا راد لخيره وإنما قال فلا رادّ لفضله لأنه كما يقول العلماء كل خير يصيب الإنسان هو ليس معاوضاً لعمله وإنما هو تفضّل من الله سبحانه وتعالى فلا يقول الإنسان أنا صليت وعبدت الله عز وجل فجاءني الفضل مقابل هذه العبادة حتى دخول الجنة بفضل الله تعالى ورحمته لأنه مهما فعل الإنسان لا يستطيع أن يقابل فضل الله تعالى. فما يصيب الإنسان من الخير فهو فضل من الله تعالى وليس حقاً واجباً على الله سبحانه وتعالى إنما هو فضل. وهنا تأتي كلمة (ولا راد لفضله) وإنما السياق الإعتيادي أن يقال: وإن يرد بخير فلا راد لهذا الخير وإنما قال تعالى (وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يصيب به يعني يوصله إلى من يشاء.

آية (108):

*ما الفرق بين (لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) و(مَاأَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيل)؟(د.فاضل السامرائى)

(لا) النافية للجنس وجناح إسمها، وإسمها وخبرها جار ومجرور (عليكم). ليس عليكم جناح جملة فعلية (ليس فعل ماضي ناقص من أخوات كان) وقاعدة عامة الجملة الإسمية أقوى من الفعلية لأنها دالة على الثبوت الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد والوصف بالإسم أقوى وأدوم من الوصف بالفعل. إذن لا جناح عليك أقوى بالإضافة إلى أن لا جناح عليكم مؤكدة. (لا رجل) فيها توكيد وجملة إسمية فستكون أقوى. (لا) أقوى في النفي من (ليس) والنفي درجات. اللغة العربية سهلة ولكنها واسعة تعبر عن أمور كثيرة لا يمكن للغات أخرى أن تعبر عنها (كيف تعبر بالانجليزية بين لن يذهب ولم يذهب ولما يذهب وليس يذهب، لا رجل حاضراً، ليس رجل حاضراً، ما رجل حاضراً) أدوات النفي لها دلالاتها. قال تعالى(قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) الأنعام) وقال (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108) يونس) إذن هناك فرق وللنفي درجات ودلالات، هذا خط بياني في التعبير. محمد حاضر، إن محمد لحاضر، إنّ محمد حاضر، إن محمد لحاضر، إن محمد لحاضر كيف تعبر عنها وكل واحدة لها دلالة وكلها تدل على حضور محمد؟. في القرآن (هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) ق) (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) ص) (إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) هود) مساحة تعبيرية واسعة هائلة يتبعها مساحة من المعاني وهي موجودة في واقع الحياة فكيف تعبر عنها باللغات أخرى؟!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ ﴾ [البقرة آية:٢]عرض وقفة أسرار بلاغية د.فاضل صالح

آية (٢) : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)  : * الفرق بين دلالة كلمة الكتاب والقرآن من ناحية اللغة كلمة قرآن في ...