السبت، 10 يوليو 2021

*( فصل لربك وانحر)*

 

*( فصل لربك وانحر)* د.فاضل السامرائي.
*لماذا لم يقل سبحانه وتعالى فصل لنا او صل لله ولماذا قال انحر ولم يقل ضحي او اذبح؟
بعد ان بشر الله تعالى رسوله باعطائه الكوثر جاء السبب بالفاء اي اراد منه ان يشكر النعمة التي اعطاه اياها. ينبغي تلقي النعم بالشكر ولم يقل له فاشكر لان الشكر قد يكون قليلاً او كثيراً فلو قال الحمد لله فقط لكان شاكراً لكن هذا الامر الكبير والعطاءالكبير يستوجب الحمد الكثير ولذا طلب الله تعالى من رسوله  شيئين الاول يتعلق بالله تعالى وهو الصلاة والثاني يتعلق بالعباد وهو النحر. والصلاة اعظم ركن من اركان الاسلام وهو اعلى درجات الشكر لله والنحر وفيه اعطاء خلق الله والشفقة بخلق الله. فشكر النعم يكون بامرين شكر الله والاحسان الى خلقه من الشكر ايضاً وعندما نحسن الى خلق الله يكون هذا من شكر نعم الله.
وقدم الله تعالى الصلاة على النحر لان الصلاة اهم من النحر وهي ركن من اركان الاسلام واول ما يسأل العبد عنه يوم الحساب والمفروض ان تكون خمس مرات في اليوم والليلة ولهذا فهي اعم من النحر لأن النحر يكون مع التمكن المادي فقط في حين ان الصلاة لا تسقط عن العباد في اي حال من الاحوال من مرض او فقر او غيره. وقد وردت الصلاة في القرآن على عدة صور فهي ان كانت من الله تعالى فهي رحمة، ومن الرسول  دعاء، ومن العباد عبادة وقول وفعل وحركة الصلاة. وكلما ورد ذكر الصلاة والزكاة في القرآن تتقدم الصلاة على الزكاة لانها أعم وأهم.
*فصل لربك: لماذا لم يقل فصل لله او فصل لنا؟
اللام في (لربك) تفيد الاختصاص والقصد ان الصلاة لا تكون الا لله وحده وهي مقابلة لما ورد في ذكر المرائين في الصلاة في سورة الماعون (الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يرآؤون ويمنعون الماعون) اما في سورة الكوثر فجاءت فصل لربك اي داوم على الصلاة لربك وليس كالمرائين.
*لماذا لم يقل فصل لنا؟ في اللغة تسمى التفات من الغيبة الى الحضور او العكس. الصلاة تكون للرب وليس للمعطي فإذا قال فصل لنا لأفاد ان الصلاة تكون للمعطي ولكن الصحيح ان المعطي له الشكر فقط وليس الصلاة حتى لا يتوهم ان الصلاة تكون لأي معطي والصلاة حق لله وحده انما المعطي له الشكر فقط. وكذلك قال تعالى إنا اعطيناك باستخدام ضمير التعظيم فلو قال فصل لنا لأوهم انه فيه شرك (:انه تعالى له شريك والعياذ بالله) او انه يمكن استخدام ضمير التعظيم للجمع
ملاحظة: في القرآن كله لا يوجد موضع ذكر فيه ضمير التعظيم الا سبقه او تبعه إفراد بما يفيد وحدانية الله تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ...إنا لله وإنا إليه راجعون) (كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله) (ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك....وإلى ربك فارغب) ولم يقل والينا فارغب. وهكذا يتبين انه لم يذكر ضمير التعظيم في القرآن كله إلا سبقه او تبعه ما يدل على الإفراد تجنباً للشرك.
*لم اختيار كلمة الرب بدل كلمة الله ؟
(فصل لربك) ولم يقل فصل لله.هذه الآية انجاز لما وعد الله تعالى رسوله  في سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ومعناها صل لربك الذي انجز الوعد الذي وعدك اياه. والعطاء من الرعاية ولم يرد في القرآن كله لفظ العطاء إلا مع لفظ الرب (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محذورا) (جزاء من ربك عطاء حسابا) لم تقترن كلمة العطاء في القرآن كله بغير لفظ الرب، والرب هو المربي والمعطي والقيم.
* ما دلالة تحول الخطاب من المتكلم إلى الغيبة مع الرسول فى سورة الكوثر؟
هذا من باب الالتفات في البلاغة يلتفت من الغيبة للحاضر ومن الحاضر للغيبة لكن لماذا؟التحول من ضمير الغيبة إلى المتكلم ومن المتكلم إلى الغيبة يسمى الإلتفات ويذكر عموماً هناك أمر عام في الالتفات أنه لإيقاظ النفس لأن تغيير الأسلوب يجدد نشاط السامع وينتبه أن الخطاب كان عن غائب ثم تحول إلى حاضر، هذا أمر عام في الالتفات أنه يثير انتباه السامع ويجعله ينتبه مثلاً (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)) يتكلم تعالى عن نفسه ثم قال (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)) ولم يقل فصلّ لنا إذن هذا إلتفات. كل مسألة في القرآن فيها إلتفات عدا هذا الأمر كونه لتنبيه السامع فيها أمر. لماذا التفت في (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2))؟ الصلاة للرب وليس للمعطي، لو قال فصلّ لنا أي لأننا أعطيناك صلّ حتى لا يُفهم أن الصلاة من أجل العطاء لمن يعطي لكن الصلاة للربّ سواء أعطاك أو لم يعطيك . الصلاة ليست للعطيّة وإنما من باب الشكر فالالتفات في كل مسألة في القرآن له غرض.
*ما اللمسة البيانية في التحول في الضمير من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب؟
الالتفات في البلاغة كما قالوا يثير التفات السامع ويثير نشاطه. وهناك أمر آخر نبهنا عليه في أكثر من مناسبة أنه كل تعبير في القرآن بضمير الجمع للتعظيم، هذه تعظيم، كل ضمير في القرآن كله بلا استثناء يتكلم فيه عن الله لا بد أن يكون قبله أو بعده ما يدل على أن الله تعالى مفرد ليس هنالك موطن في القرآن فيه ضمير للتعظيم إلا ويبين أنه مفرد فيما قبله أو بعده، عندما قال (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)) قال (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)) ما قال فصلِّ لنا. (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)) ثم قال (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)).
*لماذا قال وانحر ولم يقل واذبح؟
النحر في اللغة يتعلق بنحر الإبل فقط ولا تستعمل مع غير الإبل. يقال ذبح الشاة وقد يستعمل الذبح للجميع وللبقر والطيور والشاة والابل لكن النحر خاص بالإبل لأنها تنحر من نحرها فأراد الله تعالى ان يتصدق بأعز الاشياء عند العرب فلو قال اذبح لكان جائزاً ان يذبح طيراً او غير ذلك ومعروف ان الإبل من خيار أموال العرب. وبما أن الله تعالى أعطى رسوله  الخير الكثير والكوثر فلا يناسب هذا العطاء الكبير ان يكون الشكر عليه قليلاً لذا اختار الصلاة والنحر وهما اعظم انواع الشكر.
*لماذا لم يقل وتصدق؟
الصدقة تشمل القليل والكثير فلو تصدق احدهم بدرهم او بطير لكفى المعنى ولكن الله تعالى اراد التصدق بخير الاموال ليتناسب مع العطاء الكثير.
*لماذا لم يقل وزكي؟
الرسول  لم يكن يملك النصاب للزكاة أصلاً فهي غير واردة على الاطلاق ثم إن الزكاة تجب مرة واحدة في العام وبنسبة 2.5 % فقط ولما اختلف عما فرضه الله تعالى على المسلمين جميعاً ولن تكون شكراً خاصاً لله تعالى على عطائه الكثير ألا وهو الكوثر.
*لماذا لم يقل وضحي؟
الاضحية هي كل ما تصح به الاضحية الشرعية فلو ضحى بشاة لكفت. والاضحية لها وقتها وهو اربعة ايام يوم النحر و ايام التشريق فقط والله تعالى لم يرد ان يحصر الشكر له على عطائه الكثير يأيام محددة.
اختلف المفسرون بالصلاة والنحر أهي صلاة العيد او عامة الصلاة او خاصة والمعنى في الآية (فصل لربك وانحر) تشمل كل هذه الحالات ففي العيد يكون النحر بعد الصلاة ولكن الكثير من المفسرين قالوا انها عامة ويدخل فيها صلاة العيد والاضحية.
*لماذا لم يقل فصل لربك وانحر لربك؟ او انحر له؟
• إن المتعلق الاول لربك كأنما يغني عن المتعلق الثاني وهو ما يسمى بظهور المراد أي يفهم من الآية فصل لربك وانحر لربك.
• الصلاة اهم من النحر لأنها لا تسقط باي حال من الاحوال فجعل المتعلق بما هو اهم والنحر لا يكون إلا مع الاستطاعة.
• الصلاة لا تكون إلا عبادة ولا تكون غير ذلك أما النحر فقد يكون إما للعبادة وقد يكون للأكل فقط وليست بهدف العبادة لذا النحر يختلف عن الصلاة. واذا كان النحر عبادة فلا يكون إلا لله تعالى وملعون من ذبح لغير الله فلو قال وانحر لربك لألزم أن يكون النحر فقط عبادة ولما جاز لغير العبادة ابداً.
*لماذا لم يقل وتقرب؟

القربان من التقرب ولقد ورد القربان مرة واحدة في القرآن الكريم في حادثة ابني آدم عليه السلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ ﴾ [البقرة آية:٢]عرض وقفة أسرار بلاغية د.فاضل صالح

آية (٢) : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)  : * الفرق بين دلالة كلمة الكتاب والقرآن من ناحية اللغة كلمة قرآن في ...